top of page

ما وراء الشاشات: نهاية عصر "التلقين" وبداية عصر "المحاكاة" | رؤية جديدة من بحثي الأخير في Elsevier

  • 23 يوليو
  • 6 دقيقة قراءة

تُوصَف التقنيات الغامرة (Immersive technologies) في التعليم العالي عادةً بأنها أدوات تجعل التعلم أكثر تفاعلية أو كفاءة. لكننا ننطلق من نقطة مختلفة؛ فالبيئة الغامرة ليست مجرد وسيلة لتقديم المحتوى، بل هي جزء من الآلية التي يتم من خلالها تنظيم المعرفة، وجعلها متاحة، ومنحها السلطة والموثوقية. وبناءً على هذا المنظور، فإن إعدادات الواقع الافتراضي والمختلط تنتمي إلى "البنية التحتية المعرفية" (Epistemic infrastructure) للجامعة – أي الترتيبات التي تحدد ما يُعتبر معرفة وكيف يصل المتعلمون إليها – بدلاً من الجلوس خارجها كمجرد معدات محايدة. لتطوير هذا النقاش، نجمع بين ثلاث أدبيات نادراً ما تُقرأ معاً: النظرية المكانية (Spatial theory)، وعلم اجتماع المعرفة، والإدراك المجسد (Embodied cognition). ومن تقاطع هذه المجالات، نقترح نموذج "مساحة التعلم القابلة للبرمجة" (Programmable Learning Space - PLS)، وهو نموذج يعامل بيئة التعلم الغامرة كنظام واحد متكامل يتكون من أربع طبقات متفاعلة: الترتيب المكاني، والتفاعل، والهيكل المعرفي، والتقييم (التحقق). يشير هذا الإطار إلى أن الإعدادات الغامرة يمكن أن تنقل المعرفة من كونها مجرد رمزيات (نصوص) إلى شيء يتم ممارسته وبنائه داخل البيئة؛ وأنها تعيد توزيع سلطة تحديد المعرفة جزئياً بين المؤسسات، والتقنيات، والمصممين؛ وأنها تعيد صياغة مفهوم التعلم ليكون عملية تبادل بين الشخص ونظام مُصمم، بدلاً من كونه مجرد نقل للمعلومات إلى عقل واحد. هذه الطروحات هي افتراضات قابلة للاختبار وليست نتائج نهائية. المساهمة هنا ذات شقين: تقديم وصف مفاهيمي للإعدادات الغامرة كأنظمة لتنظيم المعرفة، ومجموعة من الافتراضات الهيكلية – المرتبطة بمؤشرات قابلة للقياس – والتي يمكن للدراسات التجريبية اللاحقة فحصها. نحن نتخذ من التعليم العالي حالة دراسية، ولكننا نجادل بأن النموذج ينطبق على التعلم والتدريب الغامر بشكل أوسع، بدءاً من الفصول المدرسية وحتى أجهزة محاكاة التشغيل.


الكلمات المفتاحية: الحوسبة المكانية، البنية التحتية المعرفية، التعلم الغامر، التعليم العالي، تكنولوجيا التعليم، مساحة التعلم القابلة للبرمجة.


1. المقدمة (Introduction)

مع انتقال الجامعات في التدريس إلى إعدادات الواقع الافتراضي والمختلط، هناك شيء يتغير يتجاوز مجرد "تجربة الطالب": بيئة التعلم نفسها تصبح "موضوعاً للتصميم". قاعة المحاضرات هي بيئة معطاة مسبقاً؛ أما العيادة الافتراضية فيتم تأليفها وتصميمها حتى في أماكن وضع كل أداة. معظم الأبحاث حول هذا التحول تساءلت، بشكل مفهوم، عما إذا كان هذا مفيداً – ما إذا كان الانغماس يرفع من مستوى التفاعل، أو يوسع نطاق الوصول، أو يساعد المتعلمين على تخيل الأفكار المعقدة. هذه الأسئلة مهمة، لكنها تترك سؤالاً أكبر دون إجابة: إذا كانت البيئة الآن مُصممة، فإن قرارات التصميم تحدد بهدوء كيف يتم تلقي المعرفة وما هو الشكل الذي تتخذه.

يميل أدب تكنولوجيا التعليم إلى التعامل مع التكنولوجيا كإضافة: أداة جديدة تُركب على طرق تدريس (بيداغوجيا) تظل دون تغيير. تقيس الدراسات الأداء، أو الرضا، أو الوقت المستغرق في المهام، وتبلغ عما إذا كانت الأداة تحسنها. ما يغفل عنه هذا التأطير هو أن المكان ليس مجرد خلفية. فكيفية ترتيب الإعداد – ما هو مرئي، وما يمكن لمسه، وأين يمكن للمتعلم أن يذهب – تنظم بالفعل المعرفة المتاحة داخله.

يطرح هذا البحث سؤالاً حول ما سيحدث إذا أخذنا هذا الدور التنظيمي على محمل الجد. نحن ندرس الإعدادات الغامرة كجزء من البنية التحتية التي يتم من خلالها إنتاج المعرفة، وترتيبها، والوصول إليها، وإضفاء الشرعية عليها. وللتوضيح منذ البداية، نحن لا ندعي أن البيئة الغامرة هي "البنية التحتية المعرفية للجامعة" بأكملها أو يمكن أن تحل محلها، بل ندعي أنها أصبحت جزءاً مؤثراً منها ومساهماً فيها. لتحليل العلاقة بين كيفية بناء المساحة وما يمكن معرفته بداخلها، نقدم "مساحة التعلم القابلة للبرمجة".

1.1. ملاحظة حول المصطلحات: نظراً لأن المجال يستخدم عدة مصطلحات بشكل فضفاض، فإننا نحددها هنا:

  • الواقع الافتراضي (VR): بيئة تولدها الحواسيب بالكامل، وعادة ما تتم عبر نظارات الرأس.

  • الواقع المعزز (AR): يضيف مواد رقمية فوق العالم المادي.

  • الواقع الممتد (XR): مصطلح شامل يغطيهما معاً، بالإضافة إلى الواقع المختلط.

  • الحوسبة المكانية (Spatial computing): الأنظمة التي تستشعر وتستجيب للمساحة ثلاثية الأبعاد وحركة الجسم.

  • الذكاء الاصطناعي (AI): يشير إلى الطبقة الخوارزمية (التكيف، التقييم، التحليلات) التي يمكن دمجها في أي مما سبق.

أسئلة البحث:

  • س1: بأي طرق تغير الإعدادات الغامرة كيفية إنتاج المعرفة في التعليم؟

  • س2: ما هي مكونات نظام التعلم الغامر، بالنظر إليه كجزء من البنية التحتية المعرفية؟

  • س3: كيف يساعد نموذج مساحة التعلم القابلة للبرمجة (PLS) في تفسير هذه التغييرات؟


2. المنهجية (Methodology)

هذا العمل هو "بناء نظرية" وليس دراسة تجريبية. الهدف ليس اختبار فرضية، بل بناء إطار متماسك لتنظيم مجال معقد، ومحدد بما يكفي ليتمكن الآخرون من اختباره لاحقاً.

2.1. نوع المراجعة: نظراً لأن المساهمة مفاهيمية، فإننا نقدم مراجعة مفاهيمية تكاملية (Integrative conceptual review). عملنا عبر أربع أدبيات: التكنولوجيا التعليمية الغامرة والمدعومة بالذكاء الاصطناعي، علم اجتماع المعرفة، النظرية المكانية، والإدراك المجسد والموزع.

2.2. كيف تم الوصول إلى الطبقات الأربع: لم يتم افتراض الطبقات الأربع للنموذج مسبقاً، بل ظهرت من خلال مقارنة التقاليد ببعضها البعض. ما تبقى في النهاية هو الهيكل المستخدم طوال البحث: المكاني (Spatial)، التفاعلي (Interaction)، المعرفي (Epistemic)، والتقييمي (Validation).

2.3. شروط النطاق (Scope conditions): صُمم الإطار للإعدادات الغامرة القابلة للبرمجة، ويهدف للذهاب إلى ما هو أبعد من الجامعة. ينطبق على فصل مدرسي في الواقع الافتراضي أو جهاز محاكاة للمشغلين (مثل قمرة قيادة طائرة أو محاكاة أمن صناعي) بقدر ما ينطبق على ندوة لطلاب الدراسات العليا.


3. مراجعة الأدبيات (Literature review)

3.1. العادة الأدواتية وتكاليفها: تشارك معظم الأبحاث حول الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي في التعليم نفس العادة الفكرية: يتم الحكم على التكنولوجيا بما تضيفه إلى ترتيب موجود مسبقاً. الافتراض الأساسي هو أن الأداة تخدم طرق تدريس لم تتغير. النتيجة هي أدبيات غنية بالنتائج ولكنها فقيرة في فهم "الظروف" التي تنتج هذه النتائج.

3.2. من يحق له تحديد ما يُعتبر معرفة: لطالما فعلت الجامعات أكثر من مجرد نقل المعرفة. فالمناهج والكتب المدرسية والامتحانات تحدد كيف يتم تقسيم المجال العلمي وأي الادعاءات يتم الاعتراف بها. ترث المنصات الرقمية هذا الترتيب إلى حد كبير. لكن الإعدادات الغامرة تزعزع ذلك قليلاً. هنا، المعرفة ليست مجرد مخزن خارجي يشير إليه النظام، بل هي شيء مدمج في الإعداد، ويقترح المقال أن هذا يبدأ في تحريك سلطة تحديد المعرفة لتتشاركها المؤسسات مع التكنولوجيا والمصممين.

3.3. المكان ليس محايداً أبداً: الفصل الدراسي الذي يجلس فيه أربعون طالباً مواجهين لمتحدث واحد يقدم حجة حول "أين تكمن السلطة". التصميم الغامر يبرز هذا للسطح. عندما يتم بناء الإعداد، فإن ترتيب الأشياء والمسارات المتاحة هي قرارات تصميمية توجه الانتباه وتفسر الموضوع.

3.4. الإدراك الذي يمتد إلى العالم: ترى التفسيرات المجسدة للإدراك أن التفكير ليس محصوراً داخل الرأس بل موزع عبر الإدراك الحسي والفعل والمحيط. في الإعدادات الغامرة، يميل المتعلم على البيئة بدلاً من الرموز فقط.


4. الإطار والنتائج (Framework and findings)

4.1. المكان كهيكل معرفي: في البيئة الغامرة، يصبح الإعداد هيكلاً يشكل نطاق وشكل ما يمكن معرفته، وما يُسمح للمتعلم بفعله هو بالفعل بيان حول الموضوع الدراسي.

4.4. الإعدادات الغامرة كجزء من البنية التحتية المعرفية: نقصد بـ "البنية التحتية المعرفية" الترتيب المشترك للتصميم المكاني والتقني والمؤسسي الذي يتم من خلاله إنتاج المعرفة وترتيبها والوصول إليها وإضفاء الشرعية عليها.

4.5. مساحة التعلم القابلة للبرمجة (The Programmable Learning Space): هي بيئة غامرة يتم فيها تصميم ترتيب المساحة وأنماط التفاعل وهيكل المعرفة ووسائل التقييم بحيث تكون قابلة للتغيير. يتكون النموذج من أربع طبقات:

  1. الطبقة المكانية (Spatial layer): تحكم كيفية مواجهة المعرفة (ما هو مرئي، وما هو قابل للتنقل).

  2. طبقة التفاعل (Interaction layer): تحكم كيفية التعامل معها (من خلال الحركة، التلاعب، والعمل مع الآخرين).

  3. الطبقة المعرفية (Epistemic layer): تحكم كيفية هيكلتها (ما إذا كانت محاكاة أو ممثلة بنصوص).

  4. طبقة التقييم (Validation layer): تحكم كيفية الحكم عليها (من خلال التغذية الراجعة والتقييم المدمج).

يخلق هذا النظام ما نسميه "الانفتاح المقيّد" (Structured openness). قد يشعر المتعلم بالحرية في الاستكشاف، ولكن فقط إلى الحد الذي تسمح به هندسة النظام.

4.6. ما الذي يتغير في كيفية إنتاج المعرفة:

  • من التمثيل إلى المحاكاة: بدلاً من القراءة عن عملية ما، يتفاعل المتعلم مع نموذج عامل لها. المنطق البرمجي يأخذ الدور الذي كانت تلعبه الرموز.

  • إعادة توزيع جزئية للسلطة: تنتقل بعض سلطة الاعتماد من المؤسسات إلى تصميم ومنطق البيئة الافتراضية.

  • حدود القابلية للبرمجة: كل ما لا يسمح به النظام، لا يمكن للمتعلم فعله، وبالتالي لا يمكنه التعلم من خلاله.

  • مخاطر تستحق الاهتمام: الانعدام في الشفافية (حيث تختفي الافتراضات داخل أكواد البرمجة)، الاحتكار التجاري من قبل شركات التقنية، المراقبة الشاملة لتحركات الطلاب، والانغلاق الفكري المقيّد بتصميم المبرمجين.


5. المناقشة (Discussion)

5.1. للنظرية التعليمية: النظريات التي تصور التعليم على أنه مجرد "استيعاب" لمحتوى مُرسل تواجه صعوبة مع هذا النموذج. البيئة الآن مشارك فعّال وليست مجرد مكان.

5.2. للتصميم التربوي: بمجرد دمج المعرفة في نظام ما، يصبح تصميم ذلك النظام جزءاً من عملية "التدريس". ويمتد العمل من اختيار المحتوى إلى تشكيل المسارات المكانية والتفاعلات.

5.3. للحوكمة المؤسسية: لا تزال المؤسسات تمنح الشرعية، لكن المزيد من "الهيكلة" يحدث الآن في أنظمة تقنية قد لا تملكها الجامعة. لذلك يجب أن تصل الحوكمة إلى ما هو أبعد من المناهج، لتشمل كيفية ترتيب المعرفة داخل النظام وشفافيته.

5.4. للإنصاف وإمكانية الوصول: الاختلافات في الطلاقة التقنية، والتنقل المكاني الافتراضي، يمكن أن تصبح خطاً جديداً للإقصاء، مما يستوجب تصميم هذه الإعدادات بمرونة تامة لضمان الوصول للجميع.

5.7. الخاتمة: من السهل تصنيف "الحوسبة المكانية" في التعليم تحت بند "أدوات أفضل". لكننا جادلنا بضرورة قراءتها كشيء أكثر تأثيراً: تغيير في كيفية ترتيب المعرفة. من خلال نموذج مساحة التعلم القابلة للبرمجة (PLS)، نقترح أن الإعدادات الغامرة قد تعيد تشكيل الشروط التي تُنتج بها المعرفة وتُقيم، مع بقائها داعمة للمؤسسات الجامعية وليست بديلة عنها. كلما تقدمت التكنولوجيا، أصبحت الحاجة لقراءة التعليم كنظام مكاني (بالإضافة لكونه اجتماعياً) أمراً أكثر أهمية.




 
 

المؤلف

الدكتور حبيب ال سليمان هو باحث وأكاديمي شغوف بالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد السلوكي، وعلم نفس المستهلك، والجانب الإنساني في اتخاذ القرارات المالية. يكتب عن كيفية تأثير العواطف والإدراك والتوقيت على الخيارات التي يتخذها الناس في الأسواق، وكيف يمكن للفهم الأعمق لهذه العوامل أن يساهم في دعم اتخاذ قرارات أكثر حكمة وثقة. يُكرّس جهوده لتحويل الأفكار الأكاديمية إلى دروس بسيطة وعملية للطلاب والمهنيين والقراء العاديين، بهدف دائم يتمثل في تحفيز التفاعل الواعي والأخلاقي والمستقبلي مع الاقتصاد. ينشر مقالاته وأفكاره على موقعه الإلكتروني لإتاحة الفرصة للجميع للتعلم حول الاقتصاد والسلوك البشري.

الذكاء الاصطناعي – إقرار حول الاستخدام

استخدم المؤلف أدوات الذكاء الاصطناعي فقط لتحسين اللغة وسهولة قراءة هذه المخطوطة. تم إنجاز كافة عمليات التصميم المفاهيمي، والتأطير النظري، والتفسير التحليلي بشكل مستقل من قِبل المؤلف البشري.

bottom of page