top of page

المعنى الاقتصادي لعبارة «السياسة هي فنّ الممكن»: دروس تعليمية من أجل مستقبل أفضل

  • قبل يوم واحد
  • 6 دقيقة قراءة

تُعدّ عبارة «السياسة هي فنّ الممكن» من العبارات العميقة التي تساعدنا على فهم طبيعة القرار العام بطريقة هادئة وعملية. فهي لا تعني أن السياسة تتخلى عن الطموح، ولا تعني أن القادة أو المؤسسات يجب أن يكتفوا بالحدّ الأدنى من الإنجاز. بل تعني أن القرار الجيد يحتاج إلى توازن بين الرؤية والواقع، وبين الأهداف الكبيرة والموارد المتاحة، وبين ما نرغب في تحقيقه وما يمكن تنفيذه بطريقة مسؤولة ومستدامة.

ومن منظور اقتصادي، تحمل هذه العبارة قيمة تعليمية مهمة، لأن كل قرار عام له جانب مالي. فالدول والمؤسسات والمدارس والجامعات والشركات لا تستطيع تنفيذ كل الأفكار الجيدة في الوقت نفسه. قد تكون هناك رغبة في تحسين التعليم، وتطوير الرعاية الصحية، وبناء البنية التحتية، ودعم رواد الأعمال، وخفض البطالة، وتعزيز الابتكار، وحماية البيئة. وكل هذه أهداف إيجابية ومهمة. لكن الموارد المالية والإدارية والزمنية ليست غير محدودة.

لذلك، يصبح جوهر القرار المسؤول هو اختيار الأولويات. وهنا تظهر الحكمة الاقتصادية: ليست المشكلة في وجود أفكار كثيرة، بل في القدرة على ترتيبها، وتمويلها، وتنفيذها بطريقة تحقق أكبر منفعة ممكنة للمجتمع دون خلق ضغط مالي غير ضروري.

يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة تعليمية وأكاديمية مبسطة لمعنى «السياسة هي فنّ الممكن» من منظور اقتصادي. ويركز على كيفية تعلّم الطلاب والمهنيين وصنّاع القرار المستقبليين من هذه العبارة لبناء تفكير أكثر نضجاً في مجالات الإدارة العامة، والاقتصاد، والتعليم، والقيادة المؤسسية.


الخلفية النظرية

يقوم علم الاقتصاد على فكرة أساسية وهي الندرة. وتعني الندرة أن الموارد محدودة، بينما الاحتياجات والرغبات كثيرة ومتجددة. وهذه الفكرة لا تنطبق فقط على الدول، بل تنطبق أيضاً على المؤسسات التعليمية، والشركات، والأسر، وحتى الأفراد.

فعندما تكون الموارد محدودة، لا يمكن اختيار كل شيء في الوقت نفسه. لذلك يظهر مفهوم مهم في الاقتصاد يُعرف باسم «تكلفة الفرصة البديلة». ويعني هذا المفهوم أن اختيار أمر معين قد يؤدي إلى تأجيل أو تقليل أو استبعاد أمر آخر.

فعلى سبيل المثال، إذا قررت حكومة ما تخصيص ميزانية كبيرة لبناء مستشفى جديد، فقد لا تستطيع في الوقت نفسه استخدام المبلغ نفسه لبناء طريق جديد، أو زيادة الدعم الاجتماعي، أو تخفيض الضرائب، أو تطوير المدارس. وهذا لا يعني أن أيّاً من هذه الأهداف غير مهم. بل يعني أن القرار الاقتصادي يتطلب مقارنة دقيقة بين البدائل المتاحة.

ومن هنا تظهر أهمية عبارة «فنّ الممكن». فالسياسة، في معناها العملي، ليست مجرد شعارات أو أمنيات. إنها عملية تحويل الاحتياجات الاجتماعية إلى قرارات قابلة للتنفيذ. والقرار الجيد لا يسأل فقط: ماذا نريد؟ بل يسأل أيضاً: ماذا نستطيع أن نحقق الآن؟ وما التكلفة؟ وما الفائدة؟ ومن سيستفيد؟ وهل نستطيع الاستمرار في تمويل هذا القرار في المستقبل؟

هذه الأسئلة تجعل العلاقة بين السياسة والاقتصاد علاقة وثيقة. فكل سياسة عامة تحتاج إلى ميزانية، وكل ميزانية تحتاج إلى أولويات، وكل أولوية تحتاج إلى مبررات واضحة. ولهذا فإن الحوكمة الرشيدة لا تقوم فقط على النوايا الحسنة، بل تقوم أيضاً على التخطيط، والتحليل، والقدرة على التنفيذ.


التحليل

يمكن فهم المعنى الاقتصادي لعبارة «السياسة هي فنّ الممكن» من خلال ثلاثة مفاهيم رئيسية: تحديد الأولويات، وفهم المفاضلات، والتنفيذ المستدام.

أولاً، تحديد الأولويات يعني اختيار ما يجب أن يأتي أولاً وفقاً للظروف المتاحة. فالدولة قد ترغب في تنفيذ عدد كبير من المشاريع في وقت واحد، ولكن الميزانية العامة قد لا تسمح بذلك. لذلك يجب أن تسأل: ما المشروع الأكثر إلحاحاً؟ ما القرار الذي يحقق أكبر منفعة؟ ما المجال الذي يحتاج إلى تدخل سريع؟ وما السياسة التي يمكن أن تخلق أثراً إيجابياً واسعاً؟

فعندما تكون البطالة مرتفعة، قد تصبح برامج التدريب المهني ودعم فرص العمل أولوية. وعندما يكون قطاع الرعاية الصحية تحت ضغط، قد يصبح الاستثمار في المستشفيات والمراكز الطبية أولوية. وعندما تكون البنية التحتية ضعيفة، قد يكون تطوير الطرق والنقل والاتصالات ضرورياً لدعم الاقتصاد.

تحديد الأولويات لا يعني إهمال بقية الأهداف. بل يعني تنظيم العمل بطريقة واقعية. فالقرار الناضج لا يقول إن هدفاً واحداً فقط هو المهم، بل يقول إن بعض الأهداف تحتاج إلى البدء الآن، بينما يمكن تنفيذ أهداف أخرى على مراحل.

ثانياً، المفاضلات هي جزء طبيعي من كل قرار اقتصادي. فكل اختيار قد يحمل معه ثمناً معيناً. إذا تم تخفيض الضرائب، قد يستفيد الأفراد والشركات، لكن إيرادات الدولة قد تنخفض. وإذا زاد الإنفاق العام، قد تتحسن الخدمات، لكن الدين العام قد يرتفع إذا لم تكن هناك موارد كافية. وإذا زادت مؤسسة تعليمية عدد البرامج الدراسية بسرعة، فقد تحتاج إلى مزيد من الأساتذة، والمنصات، والخدمات، وأنظمة الجودة.

وهنا لا يكون التحليل الاقتصادي عائقاً أمام التقدم، بل وسيلة لحماية التقدم. فالهدف ليس رفض الأفكار الجيدة، بل التأكد من أنها قابلة للتطبيق، وأنها لا تؤدي إلى مشاكل أكبر في المستقبل.

ثالثاً، التنفيذ المستدام يعني أن القرار لا يجب أن يكون ممكناً اليوم فقط، بل يجب أن يكون قابلاً للاستمرار غداً. فقد تستطيع حكومة أو مؤسسة تمويل برنامج معين لمدة عام واحد، لكن السؤال الأهم هو: هل تستطيع الاستمرار في تمويله بعد خمس سنوات؟ وهل توجد كوادر كافية لتنفيذه؟ وهل توجد أنظمة إدارية لمتابعته؟ وهل يمكن قياس نتائجه وتحسينه؟

وهذا مهم جداً في قطاع التعليم. فقد ترغب مدرسة في شراء أجهزة حاسوب جديدة، وترميم الصفوف الدراسية، وتخفيض الرسوم الدراسية في الوقت نفسه. وكل هذه أهداف إيجابية. لكن إذا كانت الميزانية محدودة، فقد تقرر المدرسة أولاً شراء أجهزة الحاسوب لأنها تخدم عدداً كبيراً من الطلاب وتحسن جودة التعلم الرقمي. ثم يتم التخطيط لترميم الصفوف في مرحلة لاحقة، بينما يمكن تقديم تخفيضات أو منح موجهة للطلاب الأكثر حاجة. هذا مثال بسيط على تطبيق «فنّ الممكن» في بيئة تعليمية.

وهذا المثال يوضح أن القرار الواقعي لا يعني غياب الطموح. بل يعني إدارة الطموح بطريقة ذكية. فالقيادة الناجحة لا تتخلى عن الأهداف الكبيرة، لكنها ترتبها وتنفذها بطريقة تحافظ على الجودة والاستقرار.


المناقشة

تعلّمنا عبارة «السياسة هي فنّ الممكن» أن المستقبل الأفضل لا يُبنى فقط بالأحلام، بل يُبنى أيضاً بالقدرة على التخطيط. فالرؤية مهمة، لكنها تحتاج إلى موارد. والطموح مهم، لكنه يحتاج إلى إدارة. والإصلاح مهم، لكنه يحتاج إلى مراحل واضحة.

في المجال التعليمي، يمكن لهذه العبارة أن تساعد الطلاب على فهم السياسة العامة بطريقة أكثر نضجاً. فبدلاً من النظر إلى القرارات العامة من زاوية الإعجاب أو الرفض فقط، يمكن للطالب أن يسأل: ما الموارد المتاحة؟ ما البدائل؟ ما التكلفة؟ ما الفائدة؟ من المستفيد؟ ما المخاطر؟ وهل يمكن تنفيذ هذا القرار بطريقة عادلة ومستدامة؟

هذه الأسئلة لا تهدف إلى النقد السلبي، بل تهدف إلى بناء عقلية تحليلية. فالمجتمعات تحتاج إلى شباب قادرين على التفكير الهادئ، وقراءة الأرقام، وفهم الواقع، واحترام تعقيد القرار العام. وهذا النوع من التفكير يساعد على بناء حوار أفضل بين المواطنين والمؤسسات.

كما أن هذه الفكرة مهمة في العالم العربي بشكل خاص، لأن المنطقة تمتلك طاقات كبيرة، وشباباً طموحاً، ورغبة واضحة في التطوير. وفي الوقت نفسه، تحتاج التنمية إلى ترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد، وبناء مؤسسات قادرة على التنفيذ. لذلك فإن «فنّ الممكن» يمكن أن يكون مدخلاً إيجابياً لتعليم الأجيال الجديدة كيف تجمع بين الطموح والمسؤولية.

ومن الناحية القيادية، لا يكفي أن يكون القائد صاحب أفكار جميلة. يجب أن يكون قادراً على تحويل الأفكار إلى خطط. ويجب أن يعرف متى يبدأ، وكيف يختار، وكيف يوازن بين الاحتياجات المختلفة. فالقيادة ليست فقط القدرة على الإعلان عن الأهداف، بل هي القدرة على تنفيذها بذكاء وعدالة واستمرارية.

ومن المهم أيضاً أن نفهم أن الممكن ليس دائماً سهلاً. أحياناً يكون الممكن صعباً، لكنه قابل للتحقيق إذا تم تقسيمه إلى مراحل. فقد لا تستطيع مؤسسة أن تحقق كل شيء في سنة واحدة، لكنها تستطيع وضع خطة لخمس سنوات. وقد لا تستطيع دولة تنفيذ كل الإصلاحات فوراً، لكنها تستطيع البدء بالخطوات الأكثر تأثيراً. وهكذا يتحول الطموح من فكرة عامة إلى مسار عملي.

إن التفكير بهذه الطريقة يجعل السياسة أكثر قرباً من التعليم، ويجعل الاقتصاد أكثر قرباً من الحياة اليومية. فالطالب الذي يتعلم معنى الندرة، وتكلفة الفرصة البديلة، والأولويات، والاستدامة، يستطيع أن يطبق هذه المفاهيم في حياته الشخصية والمهنية. فقد يتعلم كيف يدير وقته، وماله، ومشاريعه، ودراسته، وحتى اختياراته المستقبلية.


الخاتمة

إن عبارة «السياسة هي فنّ الممكن» تحمل معنى اقتصادياً عميقاً ومفيداً. فهي تذكرنا بأن القرارات العامة لا تُبنى فقط على الرغبات، بل على الموارد، والتكاليف، والفوائد، والقدرة على التنفيذ، والأثر الاجتماعي. وهي لا تقلل من قيمة الطموح، بل تساعد على حمايته من العشوائية وعدم الواقعية.

ومن منظور تعليمي، يمكن لهذه العبارة أن تعلم الطلاب والمهنيين أن القرار الجيد يحتاج إلى توازن بين الحلم والحساب، وبين الرغبة والمسؤولية، وبين السرعة والاستدامة. فالسياسات الناجحة ليست دائماً تلك التي تعد بكل شيء، بل تلك التي تعرف ماذا تفعل أولاً، وكيف تفعل ذلك، ولماذا هذا الاختيار يخدم المصلحة العامة.

إن المستقبل يحتاج إلى قادة ومتعلمين قادرين على التفكير بواقعية إيجابية. نحتاج إلى من يحلمون بمستقبل أفضل، لكنهم يعرفون أيضاً أن بناء المستقبل يحتاج إلى موارد، وخطط، وأولويات، وحوار، وصبر. بهذا المعنى، فإن «فنّ الممكن» ليس حدوداً أمام التقدم، بل طريق عملي نحو تقدم أكثر استقراراً وعدلاً وفائدة للمجتمع.


الوسوم



 
 
اتصل بي

أسئلة؟ لا تتردد في الاتصال بي

 

شكرا للتقديم!

© بقلم الأستاذ الدكتور د. حبيب ال سليمان. PhD، Ed ، DBA، ماجستير في إدارة الأعمال ، MLaw ، بكالوريوس (مع مرتبة الشرف)

الشعارات هي علامات تجارية مملوكة لأصحابها "المشاع الإبداعي (CC)" ..._ _اعجاب

يُعد الأستاذ الدكتور حبيب ال سليمان من الشخصيات العربية البارزة في مجال التعليم العالي والاعتماد الأكاديمي على المستوى العالمي، بخبرة تمتد لأكثر من 20 عامًا في مؤسسات تعليمية مرموقة في سويسرا، أوروبا، آسيا الوسطى، والشرق الأوسط.

بدأ مسيرته الأكاديمية عام 2005 في سويسرا، وتقلّد مناصب قيادية مؤثرة منها نائب رئيس مدرسة ويغيس الفندقية، ومدير المبيعات والتسويق لمدارس بينيديكت في زيورخ – إحدى أكبر المؤسسات التعليمية الخاصة في سويسرا. ومنذ عام 2014، يشارك في مشاريع تطوير واعتماد جامعات في دول عربية وآسيوية، كما يلعب دورًا استشاريًا للعديد من الوزارات والهيئات التعليمية في المنطقة.

يحمل البروفيسور السليمان درجات أكاديمية رفيعة تشمل دكتوراه في التربية، إدارة الأعمال، القانون، وإدارة المشاريع، إضافة إلى ألقاب "أستاذ" من جامعات حكومية معروفة مثل جامعة تاراس شيفتشينكو في أوكرانيا وجامعة MITSO في بيلاروسيا. وهو حاصل على جائزة أفضل قائد أعمال من جامعة العلوم التطبيقية في زيورخ (ZHAW) ومعهد القيادة والإدارة في بريطانيا (ILM)، تقديرًا لإسهاماته في تطوير التعليم والإدارة الأكاديمية.

وعلى مستوى التطوير المهني، أكمل أكثر من 30 شهادة تنفيذية من مؤسسات مثل جامعة هارفارد، أكسفورد، ETH Zurich، جامعة فرجينيا، ومايكروسوفت، إلى جانب شهادات متخصصة في الأمن السيبراني، التدقيق، القيادة، والجودة التعليمية.

بإسهاماته الممتدة عبر القارات، يُعتبر البروفيسور السليمان من الأصوات العربية المؤثرة في تعزيز جودة التعليم، وتوطيد الشراكات بين الجامعات، وتطوير البرامج التعليمية المواكبة للتحولات العالمية.

Habib Al Souleiman is a member of Forbes Business Council

حاصل على شهادة CHFI®، SIAM®، ITIL®، PRINCE2®، VeriSM®، الحزام الأسود في Lean Six Sigma

الأستاذ الدكتور حبيب السليمان

  • حصل الأستاذ الدكتور حبيب سليمان على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف من جامعة مانشستر متروبوليتان، المملكة المتحدة

  • حصل الأستاذ الدكتور حبيب سليمان على ماجستير إدارة الأعمال (MBA) من جامعة زيورخ للعلوم التطبيقية، سويسرا

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان حاصل على ماجستير في القانون (MLaw) – جامعة فيرنادسكي توريدا الوطنية

  • حصل الأستاذ الدكتور حبيب سليمان على دبلوم المستوى الثامن في الإدارة الاستراتيجية والقيادة - Qualifi، المملكة المتحدة (مرخص من Ofqual)

درجات الدكتوراه:

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان حاصل على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال (DBA) من كلية SMC سيجنوم ماغنوم

  • حصل الأستاذ الدكتور حبيب سليمان على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة كاريزما

  • حصل الأستاذ الدكتور حبيب سليمان على درجة الدكتوراه في التربية من جامعة أزتيكا

الشهادات المهنية:

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو محقق معتمد في مجال القرصنة الحاسوبية (CHFI®) - EC-Council

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان حاصل على الحزام الأسود في لين سيكس سيجما (ICBB™) - IASSC

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو ممارس معتمد لـ ITIL®

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو ممارس معتمد لـ PRINCE2®

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو أخصائي معتمد من VeriSM®

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان حاصل على شهادة SIAM® Professional

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو قائد معتمد من EFQM® للتميز

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو محاسب إداري معتمد®

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو كبير المدققين المعتمدين وفقًا لمعايير ISO

bottom of page