top of page

حين يخسر نجوم كرة القدم متابعيهم: حجم الجمهور وقيمته ومستقبل صناعة الرياضة

  • قبل يوم واحد
  • 11 دقيقة قراءة

في مطلع مايو 2026، بدا أن واحدًا من أكثر الأشخاص متابعةً على وجه الأرض يفقد ملايين المتابعين خلال أيام معدودة. فقد تراجع جمهور كريستيانو رونالدو على إنستغرام من نحو 673 مليونًا إلى قرابة 666 مليونًا، بينما هبط جمهور ليونيل ميسي من حوالي 512 مليونًا إلى نحو 507 ملايين. ولم يكن هذا التغيّر ناتجًا عن فضيحة، ولا عن مباراة سيئة، ولا عن خلافٍ علنيّ، بل جاء نتيجة عملية تنظيف واسعة للمنصّة، أطلق عليها بعض المستخدمين اسم «التطهير الكبير»، جرى فيها حذف الحسابات المزيّفة والآلية والخاملة على مستوى الخدمة بأكملها. وقد شهد كثير من الشخصيات العامة في الموسيقى والسينما والأعمال والرياضة انخفاضًا مماثلًا في المدّة القصيرة نفسها.

ومن المهمّ أن نوضّح بجلاء ما كان عليه هذا الحدث وما لم يكنه. فهو لم يكن إخفاقًا من اللاعبَين أو فريقَيهما أو من جماهيرهما الحقيقية. إذ تجتذب الحسابات الضخمة جدًا بطبيعتها أعدادًا هائلة من الحسابات الآلية والفارغة، لأن الأنظمة المؤتمتة تتابع الأسماء الشهيرة كي تبدو أكثر مصداقية. وعندما تنظّف المنصّة سجلّاتها، تخسر أكبرُ الحسابات أكثرَ عدد من المتابعين بالقيمة المطلقة، رغم أن النسبة المحذوفة تكون في الغالب ضئيلة. كما حافظ اللاعبان على موقعيهما في قمّة التصنيف العالمي. وبعبارة أخرى، فإن القصّة هنا ليست عن التراجع، بل عن #القياس، وعمّا يعنيه رقم المتابعين حقًّا.

بالنسبة إلى #الأعمال_الرياضية، تمثّل هذه اللحظة دراسة حالة مفيدة، بل ومبعثة على التفاؤل. فهي تسلّط الضوء على الفارق بين #حجم_الجمهور و#قيمة_الجمهور. إن عدد المتابعين سهل الرؤية وسهل المقارنة، ولذلك تحوّل إلى رقمٍ رئيسيّ يقيس الشهرة في العصر الرقمي. غير أن الرعاة والأندية والدوريات والمعلنين باتوا يهتمّون أكثر فأكثر بـ#التفاعل_الحقيقي والتحويل و#ولاء_الجماهير بدلًا من الأرقام الإجمالية الخام. فقد يكون جمهورٌ أصغر لكنه حقيقيّ أثمنَ من جمهورٍ أكبر مكتظٍّ بالحسابات الصامتة أو المزيّفة. وتتعامل هذه المقالة مع عملية التنظيف بوصفها فرصة تعليمية: مناسبةً لطرح أسئلة أفضل حول كيفية احتسابنا للانتباه، وكيفية تقديرنا لقيمته، والطريقة التي يمكن بها للقطاع أن يبني مستقبلًا أكثر صحّةً وجدارةً بالثقة.

والنقاش الذي يلي محايدٌ وتحليليّ عن قصد؛ فهو لا يُصدر حكمًا على أيّ فرد أو علامة تجارية أو منصّة، بل يستعين بالأبحاث الأكاديمية الحديثة وبالوقائع الملموسة للحدث كي يستكشف فكرة عملية واحدة: أن الانتقال من عدّ المتابعين إلى فهم العلاقات أمرٌ في مصلحة اللاعبين والرعاة والجماهير معًا. وتنتظم المقالة في خمسة أقسام؛ تبدأ بالإطار النظري، ثم تحلّل ما جرى فعلًا ولماذا يهمّ، ثم تناقش التداعيات الأوسع على الاقتصاد الرياضي، وتختم برؤية استشرافية.


الإطار النظري

لفهم أهمية عملية تنظيف المتابعين، يُجدي أن نفصل بين نوعين من الأرقام كثيرًا ما يُخلَط بينهما. النوع الأول هو #المقاييس_الشكلية، مثل إجمالي المتابعين أو إجمالي الإعجابات. وهي أرقام كبيرة وظاهرة ومُرضية عاطفيًا، لكنها في ذاتها لا تقول الكثير عن نتائج الأعمال. أما النوع الثاني فهو المقاييس القابلة للتنفيذ، مثل معدّل التفاعل، والحفظ، والمشاركة، والتعليقات، ونِسَب النقر، والتحويلات. وهذه أصعب في الجمع وأقلّ بريقًا، لكنها أوثق ارتباطًا بالقيمة الحقيقية. والفكرة الجوهرية في التسويق الرقمي الحديث هي أن الأرقام الشكلية الكبيرة قد تُخفي نتائج فعلية ضئيلة، وأن الحساب السليم هو الذي يتحرك فيه النوعان معًا.

ومن نقاط الانطلاق المفيدة فكرةُ التأثير الاجتماعي القائم على الأعداد. فقد بيّنت الأبحاث حول «أثر العدد المجرّد» أن عدد المتابعين الكبير قد يرفع، بذاته، من مقدار ما يبدو عليه الحساب من قوّة أو رواج، حتى قبل أن يفحص أحدٌ جودة ذلك الجمهور (Zhou et al., 2023). وهذا يفسّر كيف صار إجمالي المتابعين إشارةً بالغة القوّة في المقام الأول. غير أن هذا المسار البحثي نفسه يحدّد شروطًا حدّية واضحة؛ فحين يُعرَف أن الجمهور يضمّ متابعين مزيّفين، أو حين يستطيع المشاهدون الحكم على الحساب عبر مؤشرات أخرى كالخبرة والرواج الحقيقي، يضعف أثرُ العدد المجرّد. وهذا يعني عمليًا أن قيمة الرقم الكبير تتوقف كثيرًا على مدى تصديق الناس أنه حقيقي.

وتفسّر مجموعة ثانية من الدراسات لماذا يسلك الجمهور الحقيقي سلوكًا مختلفًا عن الجمهور المزيّف. إذ تصف الأبحاث حول #العلاقات_شبه_الاجتماعية تلك الروابط الأحادية الجانب لكن ذات المعنى العاطفي، التي ينسجها المعجبون مع الرياضيين والمبدعين الذين يتابعونهم (Agnihotri et al., 2023). وهذه الروابط هي محرّك التفاعل؛ فالمعجب الذي يشعر بصلةٍ شخصية يكون أكثر ميلًا للتعليق والمشاركة والدفاع، ثم الشراء في نهاية المطاف. أما الحسابات الآلية والخاملة فلا تكوّن أيّ صلة من هذا القبيل؛ إنها تضخّم العدد دون أن تضيف شيئًا من تلك الطاقة العاطفية والتجارية التي تجعل الجمهور ذا قيمة. ويؤكّد استعراضٌ واسع لوسائل التواصل في الرياضة أن التفاعل العاطفي مع الفرق والرياضيين والعلامات الراعية هو جوهر توليد القيمة الرقمية (Rai et al., 2025).

ويتناول مجالٌ ثالث من الأبحاث مفهومَي #الأصالة والمصداقية. فقد وجدت دراسات حديثة عديدة أن الأصالة المُدرَكة تشكّل بقوّةٍ مدى ثقة المتابعين بالترويج ومدى استجابتهم له (Hasan et al., 2024; Duffek et al., 2025). وتُظهر أعمال ذات صلة أنه حين يشتبه الجمهور في وجود تزييف أو تضخيم مصطنع، تنخفض مصداقية الحساب، ومعها استعداد المستهلكين للاستجابة (Qureshi et al., 2024). وهذه نقطة حاسمة للاقتصاد الرياضي؛ فإذا بدأ المتابعون يشكّون في أن رقمًا ما حقيقيّ، فقَدَ ذلك الرقم قوّته الإقناعية مهما بلغ حجمه. وعليه، فإن تنظيف الحسابات المزيّفة ليس مجرد ترتيبٍ للبيانات، بل قد يحمي الثقة ذاتها التي تجعل الجمهور جديرًا بأن يُخاطَب.

أما الركيزة الرابعة فهي اقتصاديات #الرعاية وقيمة العلامة في الرياضة. فالرعاية مصدرُ دخلٍ رئيسيّ للرياضيين والمؤسسات، ويتوقّع الرعاة عائدًا يمكن قياسه في الوعي والارتباط ثم المبيعات (Koronios et al., 2025). وتُبيّن دراسات العلامة الشخصية للرياضي أن حجم المتابعة وجودة التفاعل معًا يشكّلان جاذبية الرياضي التجارية وولاء المستهلكين للمنتجات التي يروّج لها (Suchao-in et al., 2023). ومع تنامي ميزانيات الرعاية، يتزايد الضغط لتبريرها ببيانات موثوقة؛ ما يجعل دقّة أرقام الجمهور مسألةً ماليةً مباشِرة لا تقنيةً فحسب.

وأخيرًا، ترتبط عملية التنظيف بقلقٍ أوسع بشأن #الثقة_الرقمية ونزاهة بيانات الإعلان. فقد حذّرت أدبيات التسويق منذ زمنٍ من أن الحركة المزيّفة والنشاط المؤتمت يشوّهان المقاييس ويهدران الميزانيات، وطوّر الباحثون طرائق للكشف عن هذا الاحتيال، منها الذكاء الاصطناعي (Alzahrani & Aljabri, 2023). كما تُشدّد الأعمال المعنية بفاعلية المؤثرين على وسائل التواصل على أن #الوصول_الحقيقي، لا الوصول المضخَّم، هو ما يقود النتائج التسويقية الفعلية (Ooi et al., 2023; Afzal et al., 2024). ومن هذه الزاوية، تُعدّ عمليةُ حذف الحسابات المزيّفة على مستوى المنصّة جزءًا من حركةٍ أشمل نحو قياسٍ أنظف وأكثر صدقًا في الاقتصاد الرقمي كلّه.


التحليل

بعد وضع هذا الإطار، يمكننا أن ننظر عن كثب فيما فعلته عملية التنظيف ولماذا ينبغي لصناعة الرياضة أن تعيرها اهتمامًا. وتبرز ثلاث نقاط: الحجم الحقيقي للتغيّر، وأنواع الحسابات المعنيّة، والطريقة التي تتبدّل بها المقاييس الأساسية بعد إزالة الحسابات المزيّفة.

أولًا، لنتأمّل الحجم. فبالقيمة المطلقة بدت الخسائر مثيرة، إذ أحصت العناوين ملايين المتابعين المتلاشين. لكن بالقيمة النسبية كان التغيّر متواضعًا؛ فبالنسبة إلى حساباتٍ تضمّ مئات الملايين من المتابعين، تمثّل خسارة تتراوح بين خمسة وتسعة ملايين نحو واحد إلى اثنين في المئة فقط من الإجمالي. وقد ظلّ اللاعبان في قمّة التصنيف العالمي، وبقيت جماهيرهما النشطة سليمةً في جوهرها. وهذه الفجوة بين الرقم المُخيف في العنوان والنسبة الضئيلة درسٌ في ذاتها؛ فهي تُظهر كيف يستطيع رقمٌ خامٌّ كبير أن يصنع انطباعًا مضلِّلًا بسهولة، ولماذا يهمّ السياق حين نقرأ أيّ إحصائية على وسائل التواصل.

ثانيًا، يُجدي أن نميّز بين الأنواع المختلفة من الحسابات التي تتألف منها المتابعة الضخمة. وتشمل هذه: الحسابات الآلية المُنشأة لتضخيم الأعداد، والحسابات المشتراة أو المزعِجة التي لا تتفاعل قطّ، والحسابات الخاملة العائدة لأشخاص حقيقيين توقّفوا عن استخدام المنصّة، والمعجبين النشطين الذين يُعجبون ويعلّقون ويشاركون. والمجموعة الأخيرة وحدها هي التي تحمل #قيمة_الجمهور. أما البقيّة فقد ترفع العدد لكنها لا تُسهم بشيءٍ في الحوار أو الولاء أو المبيعات. وحين تستخدم المنصّة أنظمة الكشف لإزالة المجموعات الثلاث الأولى، ينخفض الرقم الظاهر بينما يبقى القلب الحيّ المتفاعل للجمهور. وبهذا المعنى، لا تُقلّص عمليةُ التنظيف الجمهورَ بقدر ما تكشف عن شكله الحقيقي.

ثالثًا، وربما هو الأهمّ للقطاع، فإن إزالة الحسابات الفارغة تغيّر طريقة قراءة المقاييس الأساسية. فمعدّل التفاعل يُحتسَب عادةً بمقارنة التفاعلات بعدد المتابعين. وحين يكون عدد المتابعين مُضخَّمًا بحسابات خاملة، يبدو معدّل التفاعل منخفضًا على نحوٍ مصطنع، لأن المقام الكبير يُخفي نشاط المعجبين الحقيقيين. وبمجرد إزالة الحسابات الفارغة، يُقسَم القدرُ نفسه من التفاعل الحقيقي على رقمٍ أصغر وأصدق، فيرتفع معدّل التفاعل. لم يصبح الجمهور أكثر نشاطًا بين ليلةٍ وضحاها؛ بل صار القياس أكثر أمانةً فحسب. ولهذا قد يبدو جمهورٌ أصغر وأنظف أفضلَ أداءً في المقاييس التي تهمّ الرعاة، حتى وإن انخفض الإجمالي في العنوان. إنه برهانٌ عمليّ واضح على أن #الوصول_الحقيقي يحلّ محلّ الوصول المضخَّم.

وتقود هذه النقاط الثلاث إلى الحجّة المركزية لهذه المقالة. إن #حجم_الجمهور و#قيمة_الجمهور مترابطان، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالحجم يجيب عن سؤال «كم حسابًا يتابع هذا الشخص؟»، أما القيمة فتجيب عن سؤالٍ مختلفٍ تمامًا: «كم شخصًا حقيقيًا ينتبه ويشعر بالصلة ويُرجَّح أن يتصرّف؟». وطوال معظم عصر وسائل التواصل، اتّكأ القطاع بثقلٍ على السؤال الأول لأن إجابته سهلة الرؤية. وتأتي عملية التنظيف لتذكّرنا بأن السؤال الثاني هو الذي يتنبّأ بالنتائج فعلًا.

ويمكننا أن نرى اختلاف الرهانات لكل مجموعة معنيّة. فبالنسبة إلى الرياضيين، لا يكاد يؤثّر الحدث في نفوذهم الحقيقي، ما دامت قاعدتهم الجماهيرية الفعلية سليمة، بل قد تتحسّن أرقام تفاعلهم. وبالنسبة إلى الأندية والدوريات، فهو حافزٌ لوصف مدى وصولهم الرقمي بلغة الجماهير النشطة الموثَّقة لا الأرقام الإجمالية. وبالنسبة إلى الرعاة والمعلنين، فهو فرصةٌ لصقل طريقة تقييمهم للشراكات، بالتركيز على #التفاعل_الحقيقي والتحويل بدلًا من عدد المتابعين وحده. وبالنسبة إلى المنصّات، فهو جزءٌ من حماية #نزاهة_وسائل_التواصل، وهي أمرٌ جوهريّ لمصداقيتها بعيدة المدى لدى المعلنين. وبالنسبة إلى الجماهير، فهو مطمئنٌ بهدوء؛ إذ يشير إلى أن الفضاء الذي يشاركون فيه يُصان ليبقى أكثر واقعيةً.

وهناك أيضًا ملاحظةٌ يقتضيها التحليل الرصين. فكثيرٌ من البيانات العامة عن هذه الخسائر جاء من خدمات تحليلات خارجية وتقارير صحفية لا من بياناتٍ رسمية للمنصّة؛ ولذا ينبغي قراءة الأرقام الدقيقة بوصفها تقديراتٍ متأنّية لا حساباتٍ قاطعة. كما أن التنظيف كان حدثًا واحدًا كبيرًا، وحدثٌ واحد لا يُثبت قاعدةً عامة. وما يقدّمه ليس برهانًا نهائيًا بل توضيحًا حيًّا وحسن التوقيت لمبادئ سبق للأبحاث أن رسّختها. وأكثر السُّبل مسؤوليةً للتعلّم منه هو التعامل معه كحالة تعليمية، لا كحُكمٍ على أحد.


المناقشة

إذا كانت عملية التنظيف قد غيّرت القياس أكثر مما غيّرت الواقع، فما الذي ينبغي لصناعة الرياضة أن تستخلصه؟ إن أنفع الدروس تتعلّق بكيفية احتساب القطاع للانتباه، وكيفية تسعيره للشراكات، وكيفية حمايته للثقة. ويشير كلٌّ منها إلى مستقبلٍ أكثر صحّةً واستدامة، ولهذا يُقرأ الحدث بوصفه فرصةً أفضل من قراءته مشكلة.

يتعلّق الدرس الأول بالانتقال من العدّ إلى الفهم. فطوال سنوات، خدم رقم المتابعين بوصفه اختصارًا للنفوذ لأنه بسيطٌ وقابل للمقارنة. وتُظهر عملية التنظيف حدود هذا الاختصار. فالنهج الاستشرافي يتعامل مع عدد المتابعين كمُدخَلٍ من بين مُدخَلات كثيرة، ويولي وزنًا أكبر لمؤشرات الصلة الحقيقية: معدّل التفاعل، وجودة التعليقات، والحفظ والمشاركة، والتفاعل المتكرّر، والتحويل حيثما أمكن. ولا يعني هذا أن رقم المتابعين بلا قيمة؛ فأبحاث «أثر العدد المجرّد» تذكّرنا بأن الجماهير الكبيرة لا تزال تصنع وعيًا حقيقيًا وبرهانًا اجتماعيًا (Zhou et al., 2023). المقصود هو التوازن. فالثقافة القياسية الناضجة تقرأ الحجم والقيمة معًا، بدلًا من أن تدع رقمًا كبيرًا واحدًا ينوب عن القصّة كلّها.

ويتعلّق الدرس الثاني بـ#الرعاية والتقييم. فالرعاة يستثمرون كي يصلوا إلى أشخاصٍ حقيقيين وليبنوا ارتباطًا بشخصيةٍ موثوقة، وهم يتوقّعون أدلّةً متزايدة على العائد (Koronios et al., 2025). وحين تكون أرقام الجمهور أنظف، يمكن أن يستند تقييم الرعاية إلى أرضيةٍ أمتن. فالشراكة المُسعَّرة على أساس وصولٍ موثَّقٍ ومتفاعل أكثر إنصافًا للطرفين وأقدر على الصمود عند مراجعة الميزانيات. ومع الوقت، قد يدفع ذلك السوق نحو تسعيرٍ يكافئ #ولاء_الجماهير وجودة الصلة، لا الأرقام الخام وحدها. وقد يجد الرياضيون ذوو الجماهير العميقة التفاعل قيمتهم مُعتَرفًا بها بوضوحٍ أكبر، بينما تتلاشى تدريجيًا العلاوة التي كانت تُمنح للأرقام المضخَّمة. وهذا تطوّرٌ إيجابيّ لمصداقية منظومة الترويج بأسرها، التي تقوم على الثقة بين الرياضيين والعلامات والجماهير (Suchao-in et al., 2023).

ويتعلّق الدرس الثالث بـ#الثقة_الرقمية ونزاهة البيانات. فالحسابات المزيّفة والنشاط المؤتمت كانا منذ زمنٍ كلفةً خفيّة في التسويق الرقمي، يشوّهان المقاييس ويقوّضان الثقة (Alzahrani & Aljabri, 2023). وعمليةُ تنظيفٍ كبيرة، حتى وإن أنتجت عناوين غير مريحة، تدعم صحّة المنظومة بعيدة المدى بأن تجعل الأرقام أكثر دلالة. فبالنسبة إلى المعلنين، تقلّل البياناتُ الأنظف الهدرَ وتُحسّن القرارات. وبالنسبة إلى المنصّات، تحمي المصداقيةَ التي يعتمد عليها المعلنون. وبالنسبة إلى المبدعين والرياضيين، تصون الأصالةَ التي تمنح صوتهم قوّته الإقناعية (Hasan et al., 2024; Qureshi et al., 2024). وبهذه الصياغة، لا يكون عمل النزاهة تهديدًا للأعمال، بل جزءًا من الأساس الذي تُبنى عليه.

ولا بدّ لأيّ مناقشة متوازنة أن تُقرّ بالتوتر والفروق الدقيقة. فالحجم والقيمة ليسا نقيضين، وسيكون من الخطأ الانتقال من تقديس الأرقام الكبيرة إلى الاستهانة بها. فالوصول الواسع لا يزال مهمًّا لحملات الوعي، واللحظات الثقافية، والإطلاقات العالمية. بل تشير بعض الأبحاث إلى أن عدد المتابعين الكبير قد يظلّ في ظروفٍ معيّنة يشكّل الانطباعات بذاته (Zhou et al., 2023)، فيما تُبرز أعمالٌ أخرى حالاتٍ يكون فيها جمهورٌ أصغر وأكثر تركيزًا أشدَّ إقناعًا لأنه يبدو أكثر أصالة. والخلاصة الصحّية ليست أن «الحجم سيئ» بل أن «الحجم وحده لا يكفي». والموقف الأقوى هو الذي يجمع الوصول ذا المعنى مع التفاعل الحقيقي، مسنودًا بقياسٍ قادرٍ على التمييز بينهما.

كما أن ثمّة حدودًا صادقة لمدى ما يمكن أن يُحمَّله حدثٌ واحد. فالمنصّات المختلفة تحصي الحسابات وتنظّفها بطرائق مختلفة، ويُقاس التفاعل على نحوٍ غير متّسق عبر القطاع، وكثيرٌ من البيانات المتاحة خارجيّ لا رسميّ. ولا تُضعف هذه الحدود الدرسَ الرئيسي، لكنها تستدعي تواضعًا. فالموقف الأجدر بالدفاع هو استخدام عملية التنظيف حافزًا لعاداتٍ أفضل، لا مجموعةَ بياناتٍ دقيقة. وقبل كل شيء، ينبغي أن يبقى النقاش محترِمًا؛ فلم يخسر أيّ رياضيّ نفوذًا حقيقيًا، ولم تتضرّر أيّ جماهير، ولا يتحمّل طرفٌ واحد وزرَ وجود الحسابات الآلية على الحسابات الضخمة. إنها قصّةٌ عن الأنظمة والمعايير لا عن الأفراد، وهي في جوهرها قصّةُ تحسّن. وتدعم استعراضاتٌ أوسع لوسائل التواصل في الرياضة هذه القراءة المتفائلة، إذ تُظهر أن الحقل يواصل نضجه نحو فهمٍ أغنى للقيمة قائمٍ على العلاقات (Rai et al., 2025; Ooi et al., 2023).


الخاتمة

سيتذكّر كثيرون عملية تنظيف المتابعين في 2026 بوصفها الأسبوع الذي «خسر» فيه نجمان من نجوم كرة القدم ملايين المتابعين. لكن نظرةً أدقّ تروي قصّةً أهدأ وأنفع. فقد بقيت جماهيرهما الحقيقية معهما، ولم تتزعزع مكانتهما في القمّة، بل قد تكون مقاييسهما الأهمّ قد تحسّنت في جوانب عدّة بعد إزالة الحسابات الفارغة. إن ما تغيّر لم يكن نفوذهما، بل أمانة الأرقام المستخدَمة في وصفه.

وبالنسبة إلى صناعة الرياضة، يكمن المعنى الأعمق في الفارق بين #حجم_الجمهور و#قيمة_الجمهور. فالحجم سهل العرض وسهل الإعجاب، أما القيمة فهي ما يحوّل الانتباه إلى ولاء، والولاء إلى نتائج. وقد يكون جمهورٌ أصغر لكنه حقيقيّ ونشط ومترابط أثمنَ من جمهورٍ أكبر محشوٍّ بحسابات صامتة. وليس هذا انتقادًا لأحد، بل دعوةٌ إلى قياسٍ أفضل. ويمنح الحدث الرياضيين والأندية والرعاة والمعلنين والمنصّات والجماهير سببًا مشترَكًا للتركيز على #التفاعل_الحقيقي، وعلى #الوصول_الحقيقي، وعلى الثقة التي تشدّ المنظومة كلّها بعضها إلى بعض.

واستشرافًا للمستقبل، يشير الدرس إلى مستقبلٍ رقميّ أكثر صحّة. تخيّل اقتصادًا رياضيًا تُسعَّر فيه الرعاية على أساس جماهير موثَّقة ومتفاعلة؛ ويُعترَف فيه للرياضيين بقوّة علاقاتهم الجماهيرية بقدر ما يُعترَف بأرقامهم؛ وتصون فيه المنصّات #نزاهة_وسائل_التواصل بوصفها أصلًا مشترَكًا؛ ويثق فيه الجمهور بأن الفضاء الذي يحبّه يُصان ليبقى حقيقيًا. ولا يتطلّب أيٌّ من ذلك التخلّي عن الطموح أو الاتّساع؛ بل يطلب من القطاع أن ينضج في طريقة احتسابه لما يهمّ. وبهذه القراءة، لا يكون أسبوعٌ من تراجع أرقام المتابعين خسارةً على الإطلاق، بل درسًا صغيرًا حسنَ التوقيت في تقدير الجودة على الكمّية، وخطوةً نحو صناعةٍ رياضيةٍ أكثر شفافيةً واستدامةً وإنسانية.



كُتبت هذه المقالة لأغراضٍ تعليمية. وهي تحليلية وغير ترويجية، ولا تهدف إلى الحكم على أيّ فرد أو علامة تجارية أو مؤسسة أو انتقاده.




References

  • Afzal, B., Xiao, W., Nazir, A., Junaid, D., & Silva, L. (2024). Analyzing the impact of social media influencers on consumer shopping behavior: Empirical evidence from Pakistan. Sustainability, 16(14), 6079. https://doi.org/10.3390/su16146079

  • Agnihotri, D., Chaturvedi, P., Kulshreshtha, K., & Tripathi, V. (2023). Investigating the impact of authenticity of social media influencers on followers' purchase behavior: Mediating analysis of parasocial interaction on Instagram. Asia Pacific Journal of Marketing and Logistics, 35(10), 2377–2394. https://doi.org/10.1108/APJML-07-2022-0598

  • Alzahrani, R. A., & Aljabri, M. (2023). AI-based techniques for ad click fraud detection and prevention: Review and research directions. Journal of Sensor and Actuator Networks, 12(1), 4. https://doi.org/10.3390/jsan12010004

  • Duffek, B., Eisingerich, A. B., Merlo, O., & Lee, G. (2025). Authenticity in influencer marketing: How can influencers and brands work together to build and maintain influencer authenticity? Journal of Marketing. Advance online publication. https://doi.org/10.1177/00222429251319786

  • Hasan, S., Zahid, H., & Qayyum, A. (2024). Influencer authenticity and intention to co-create brand value: An investigation of central and peripheral pathways. Cogent Business & Management, 11(1), 2393236. https://doi.org/10.1080/23311975.2024.2393236

  • Koronios, K., Dimitropoulos, P., & Ntasis, L. (2025). Strategic management of social media in mega sports events: An integrated framework for sponsorship and engagement. Journal of Management & Organization, 32(3), 933–956. https://doi.org/10.1017/jmo.2025.10057

  • Ooi, K. B., Lee, V. H., Hew, J. J., Leong, L. Y., Tan, G. W. H., & Lim, A. F. (2023). Social media influencers: An effective marketing approach? Journal of Business Research, 160, 113773. https://doi.org/10.1016/j.jbusres.2023.113773

  • Qureshi, M. A., Shahzadi, S., & Hussain, T. (2024). Exploring the role of influencers' perceived fraud between influencers' credibility and consumer purchase intentions. International Journal of Professional Business Review, 9(1), e04313. https://doi.org/10.26668/businessreview/2024.v9i1.4313

  • Rai, J. S., Kajla, T., Itani, M. N., & Cho, H. (2025). Social media in sport: A systematic review and research agenda using the theory, context, characteristics, and methodology framework. International Journal of Consumer Studies, 49(5), e70102. https://doi.org/10.1111/ijcs.70102

  • Suchao-in, P., Wattanapongsakorn, N., & Pittayachawan, S. (2023). Athlete personal branding and brand loyalty in sports products. International Journal of Sports Marketing and Sponsorship, 24(1), 45–61. https://doi.org/10.1108/IJSMS-04-2022-0089

  • Zhou, L., Jin, F., Wu, B., Chen, Z., & Wang, C. L. (2023). Do fake followers mitigate influencers' perceived influencing power on social media platforms? The mere number effect and boundary conditions. Journal of Business Research, 158, 113589. https://doi.org/10.1016/j.jbusres.2022.113589

 
 

المؤلف

الدكتور حبيب ال سليمان هو باحث وأكاديمي شغوف بالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد السلوكي، وعلم نفس المستهلك، والجانب الإنساني في اتخاذ القرارات المالية. يكتب عن كيفية تأثير العواطف والإدراك والتوقيت على الخيارات التي يتخذها الناس في الأسواق، وكيف يمكن للفهم الأعمق لهذه العوامل أن يساهم في دعم اتخاذ قرارات أكثر حكمة وثقة. يُكرّس جهوده لتحويل الأفكار الأكاديمية إلى دروس بسيطة وعملية للطلاب والمهنيين والقراء العاديين، بهدف دائم يتمثل في تحفيز التفاعل الواعي والأخلاقي والمستقبلي مع الاقتصاد. ينشر مقالاته وأفكاره على موقعه الإلكتروني لإتاحة الفرصة للجميع للتعلم حول الاقتصاد والسلوك البشري.

الذكاء الاصطناعي – إقرار حول الاستخدام

استخدم المؤلف أدوات الذكاء الاصطناعي فقط لتحسين اللغة وسهولة قراءة هذه المخطوطة. تم إنجاز كافة عمليات التصميم المفاهيمي، والتأطير النظري، والتفسير التحليلي بشكل مستقل من قِبل المؤلف البشري.

bottom of page