top of page

من السيطرة إلى الثقة: نظرية «س» ونظرية «ص» عند دوغلاس ماكغريغور ودروسها في القيادة الحديثة

  • قبل يومين
  • 9 دقيقة قراءة

لا تُقاس القيادة الناجحة فقط بقدرة المدير على إصدار القرارات أو تنظيم العمل أو متابعة النتائج، بل تُقاس أيضًا بالطريقة التي ينظر بها إلى الإنسان داخل المؤسسة. فكل قائد، سواء أدرك ذلك أم لم يدرك، يحمل في داخله مجموعة من الافتراضات حول الموظفين: هل يحبون العمل؟ هل يحتاجون دائمًا إلى رقابة؟ هل يمكن الوثوق بهم؟ هل يتحملون المسؤولية؟ وهل يمكن أن يصبحوا أكثر إبداعًا إذا وُضعوا في بيئة مناسبة؟

من هنا تأتي أهمية نظرية «س» ونظرية «ص» التي طرحها عالم الإدارة الأمريكي دوغلاس ماكغريغور. هذه النظرية لا تزال من أكثر النظريات فائدة في فهم أساليب القيادة والإدارة، لأنها لا تبدأ من السؤال التقليدي: “كيف نُدير الموظفين؟”، بل تبدأ من سؤال أعمق: “كيف نفكر في الموظفين؟”.

تقوم نظرية «س» على افتراض أن الإنسان يميل إلى تجنب العمل، ويحتاج إلى رقابة وتوجيه وضغط حتى ينجز ما هو مطلوب منه. أما نظرية «ص» فتنطلق من رؤية أكثر تفاؤلًا وإنسانية، وترى أن الإنسان قادر على تحمل المسؤولية، والمبادرة، والإبداع، والالتزام إذا وجد بيئة عمل عادلة ومحفزة وواضحة.

أهمية هذه النظرية لا تقتصر على الإدارة فقط. فهي مفيدة للطلاب، والباحثين، والمديرين، ورواد الأعمال، والمعلمين، وكل من يريد أن يفهم العلاقة بين القيادة والتحفيز والثقة. ففي عالم عربي يشهد توسعًا في التعليم، وريادة الأعمال، والتحول الرقمي، والعمل عن بُعد، والمؤسسات الناشئة، أصبحت الحاجة إلى قيادة ذكية وإنسانية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

الرسالة الأساسية لهذه المقالة هي أن القيادة ليست مجرد رقابة، وليست أيضًا حرية بلا نظام. القيادة الأفضل هي التي تجمع بين الثقة والمساءلة، وبين التوجيه والتمكين، وبين وضوح القواعد واحترام قدرات الإنسان. ومن هذا المنظور، تقدم نظرية ماكغريغور درسًا مهمًا لمستقبل العمل: عندما نثق بالناس ونُحسن تنظيم بيئتهم، فإننا لا نحسن الأداء فقط، بل نُسهم أيضًا في بناء مؤسسات أكثر نضجًا واستقرارًا وإبداعًا.


الخلفية النظرية

قدّم دوغلاس ماكغريغور نظريته في سياق دراسة السلوك الإداري والتنظيمي. كان اهتمامه الأساسي منصبًا على فهم الطريقة التي تؤثر بها افتراضات المديرين عن العاملين في أساليب القيادة واتخاذ القرار. فالقائد لا يتصرف في الفراغ، بل يتصرف غالبًا بناءً على صورة ذهنية مسبقة عن الإنسان والعمل والانضباط والمسؤولية.

نظرية «س» تمثل النظرة التقليدية التي ترى أن الموظف يحتاج إلى السيطرة حتى يعمل بشكل جيد. وفق هذا التصور، يُفترض أن كثيرًا من الناس لا يرغبون في بذل الجهد إلا إذا وُجدت رقابة مباشرة أو ضغط إداري. لذلك تميل الإدارة في هذا النموذج إلى استخدام التعليمات الصارمة، والمتابعة الدقيقة، والقرارات المركزية، والعقوبات أو الحوافز الخارجية لضمان الأداء.

في بيئة قائمة على نظرية «س»، يكون المدير هو محور العمل. هو الذي يفكر، ويقرر، ويوجه، ويراقب. أما الموظف فيُنظر إليه غالبًا باعتباره منفذًا للتعليمات لا شريكًا في التفكير. وقد يكون هذا الأسلوب مناسبًا في بعض الحالات المحدودة، خاصة عندما تكون المهام خطرة أو شديدة الحساسية أو تحتاج إلى التزام صارم بالإجراءات، مثل بعض مجالات السلامة، والصناعة، والطيران، والرعاية الصحية، والعمليات الأمنية.

لكن المشكلة تظهر عندما تتحول نظرية «س» إلى ثقافة عامة داخل المؤسسة. فعندما يشعر الموظفون أن الإدارة لا تثق بهم، قد يفقدون الحافز الداخلي. وقد يصبحون أكثر انتظارًا للتعليمات، وأقل مبادرة، وأقل رغبة في اقتراح حلول جديدة. ومع الوقت، قد تتحول الرقابة الزائدة إلى سبب في ضعف المسؤولية بدلًا من تقويتها.

أما نظرية «ص» فتقدم رؤية مختلفة. فهي تفترض أن العمل ليس بالضرورة عبئًا يهرب منه الإنسان، بل يمكن أن يكون مصدرًا للمعنى والإنجاز والنمو. ووفق هذه النظرية، يستطيع الموظفون أن يتحملوا المسؤولية، وأن يشاركوا في حل المشكلات، وأن يلتزموا بأهداف المؤسسة إذا شعروا بالاحترام والوضوح والعدالة.

نظرية «ص» لا تعني أن الإدارة تتخلى عن النظام أو القواعد. كما أنها لا تفترض أن كل الناس مثاليون دائمًا أو أن الجميع يعملون بأعلى درجة من الالتزام في كل الظروف. لكنها تقول إن البيئة الإدارية الجيدة تستطيع أن تُخرج أفضل ما لدى الإنسان. فالموظف الذي يُعامل على أنه قادر على التعلم والمسؤولية غالبًا ما يصبح أكثر استعدادًا للتطور والمشاركة.

من الناحية الأكاديمية، ترتبط نظرية ماكغريغور بعدة مجالات مهمة في الإدارة. فهي ترتبط بنظريات التحفيز لأنها تسأل: ما الذي يدفع الإنسان إلى العمل الجيد؟ وترتبط بالسلوك التنظيمي لأنها تدرس العلاقة بين الافتراضات والسلوك داخل المؤسسة. وترتبط بالموارد البشرية لأنها تؤثر في التوظيف، والتدريب، وتقييم الأداء، وتصميم الوظائف. كما ترتبط بالقيادة لأنها توضّح أن أسلوب المدير ليس مجرد مهارة إدارية، بل هو انعكاس لرؤيته للإنسان.

ومن أهم ما نتعلمه من هذه النظرية أن الإدارة قد تصبح أحيانًا نبوءة تحقق نفسها. فإذا افترض المدير أن الموظفين لا يمكن الوثوق بهم، فإنه قد يضع أنظمة رقابة شديدة. هذه الأنظمة قد تجعل الموظفين سلبيين أو خائفين من الخطأ أو غير مبادرين. ثم يرى المدير هذا السلوك ويقول: “كنت على حق، الموظفون لا يتحملون المسؤولية”. والعكس صحيح أيضًا. فإذا وفر المدير بيئة ثقة وتدريب وتوجيه، قد يبدأ الموظفون في تحمل مسؤولية أكبر، فيرى المدير أن الثقة كانت خيارًا ناجحًا.


التحليل

تساعدنا نظرية «س» ونظرية «ص» على فهم الفرق بين الإدارة القائمة على الخوف والإدارة القائمة على الثقة المنظمة. ولا يعني ذلك أن كل رقابة سيئة أو أن كل حرية جيدة. الفكرة الأعمق هي أن أسلوب القيادة يجب أن يبنى على فهم متوازن لطبيعة العمل والإنسان والهدف المؤسسي.

في النموذج القائم على نظرية «س»، تكون المؤسسة غالبًا هرمية وقليلة المرونة. القرارات تأتي من الأعلى، والموظفون ينفذون، والرقابة تكون مستمرة. هذا الأسلوب قد يحقق نتائج قصيرة المدى، خاصة عندما تكون المهام بسيطة أو متكررة. لكنه قد يضعف الإبداع، ويقلل الشعور بالانتماء، ويجعل الموظف يفكر فقط في تجنب الخطأ بدلًا من تحسين الأداء.

في المقابل، يسمح نموذج نظرية «ص» بظهور بيئة أكثر تفاعلًا. الموظف لا يُعامل كأداة تنفيذ فقط، بل كإنسان لديه خبرة ورأي وقدرة على التعلم. في هذه البيئة، يصبح الحوار جزءًا من الإدارة، وتصبح المشاركة جزءًا من العمل، ويصبح التدريب استثمارًا لا تكلفة فقط.

لنأخذ مثالًا بسيطًا من الحياة التعليمية. إذا كان المدرس يعتقد أن الطلاب لن يدرسوا إلا تحت الضغط، فقد يعتمد فقط على العقوبات، والاختبارات المفاجئة، والتعليمات الصارمة. قد ينجح هذا الأسلوب في إجبار بعض الطلاب على الحفظ، لكنه قد لا يساعدهم على الفهم العميق أو حب التعلم. أما إذا كان المدرس يؤمن بأن الطلاب يمكن أن يصبحوا مسؤولين إذا فهموا الهدف وشعروا بالدعم، فقد يستخدم أسلوبًا يجمع بين الوضوح والتحفيز والمشاركة. في هذه الحالة، لا يغيب الانضباط، ولكنه يصبح انضباطًا مبنيًا على المعنى وليس الخوف فقط.

وفي بيئة العمل، يمكن أن نرى الفرق نفسه. مدير يعتمد على نظرية «س» قد يراقب كل خطوة، ويطلب تقارير كثيرة، ويمنع الموظفين من اتخاذ أي قرار صغير دون موافقة. قد يشعر هذا المدير أنه يحمي المؤسسة من الأخطاء، لكنه قد يخلق بطئًا إداريًا وضعفًا في المبادرة. أما المدير الذي يميل إلى نظرية «ص» فقد يحدد الأهداف بوضوح، ويشرح المعايير، ويدرّب الفريق، ثم يعطي مساحة للمسؤولية. هذا لا يعني غياب المتابعة، بل يعني أن المتابعة تصبح وسيلة للتطوير لا مجرد أداة للسيطرة.

بالنسبة للمؤسسات العربية، تحمل هذه النظرية أهمية خاصة. فكثير من المؤسسات في المنطقة تعيش مرحلة تحول: من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الرقمية، ومن الوظائف الروتينية إلى الوظائف المعرفية، ومن العمل داخل المكاتب فقط إلى العمل الهجين وعن بُعد، ومن الاعتماد على الأوامر إلى الحاجة إلى الابتكار. في مثل هذه البيئة، لا يكفي أن يكون الموظف منفذًا فقط. المؤسسات تحتاج إلى موظفين قادرين على التفكير، والتعلم، والتعاون، وحل المشكلات.

وهنا تظهر أهمية الثقة المنظمة. الثقة لا تعني أن يترك المدير كل شيء دون متابعة. والثقة لا تعني أن الموظف يفعل ما يريد بلا معايير. الثقة المنظمة تعني أن تكون هناك أهداف واضحة، ومسؤوليات محددة، وتقييم عادل، وتدريب مستمر، مع إعطاء الموظف مساحة للتفكير والمبادرة.

كما أن نظرية ماكغريغور تقدم درسًا مهمًا في بناء الثقافة المؤسسية. الثقافة التي تعتمد كثيرًا على الخوف قد تبدو قوية من الخارج، لكنها قد تكون ضعيفة من الداخل، لأن الناس فيها يتجنبون المخاطرة، ويخفون الأخطاء، ولا يتحدثون بصراحة. أما الثقافة التي تجمع بين الأمان النفسي والمساءلة، فقد تكون أكثر قدرة على التعلم. عندما يشعر الموظف أنه يستطيع أن يطرح فكرة أو يعترف بمشكلة دون إهانة، تصبح المؤسسة أكثر قدرة على الإصلاح والتحسين.

من جانب آخر، لا بد من الاعتراف بأن تطبيق نظرية «ص» يحتاج إلى نضج إداري. فليس من السهل الانتقال من السيطرة إلى الثقة. بعض المديرين يخافون من فقدان السيطرة، وبعض الموظفين قد لا يكونون معتادين على تحمل المسؤولية. لذلك لا يحدث التحول دفعة واحدة. يحتاج الأمر إلى تدريب، وتدرّج، ووضوح في الأدوار، ونظام عادل للمكافأة والمساءلة.

يمكن القول إن أفضل نموذج عملي ليس نظرية «س» وحدها ولا نظرية «ص» وحدها، بل نموذج قيادي مرن يعرف متى يستخدم التوجيه المباشر ومتى يمنح الاستقلالية. الموظف الجديد قد يحتاج إلى إرشاد أكثر. أما الموظف الخبير فقد يحتاج إلى مساحة أكبر. المهمة الحساسة قد تحتاج إلى إجراءات دقيقة. أما المهمة الإبداعية فقد تحتاج إلى حرية وتجريب. القيادة الذكية هي التي تفهم هذا الفرق.


المناقشة

تزداد أهمية نظرية ماكغريغور في عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. فالمؤسسات اليوم لا تبحث فقط عن موظفين ينفذون التعليمات، بل تحتاج إلى أشخاص قادرين على التعلم المستمر، والتكيف مع أدوات جديدة، وتحليل المعلومات، والتعاون عبر الحدود والثقافات. هذه القدرات لا تنمو في بيئة تعتمد على الخوف فقط.

في الماضي، ربما كان كثير من الأعمال يعتمد على الحضور الجسدي والالتزام بالوقت وتنفيذ الإجراءات. أما اليوم، فإن قيمة الإنسان في المؤسسة ترتبط أكثر بالمعرفة، والابتكار، والحكم الأخلاقي، والقدرة على التعامل مع التعقيد. ولهذا تصبح نظرية «ص» أكثر ارتباطًا بالمستقبل، لأنها تنظر إلى الإنسان كمصدر للطاقة الفكرية والإبداعية، لا كعنصر يجب التحكم فيه فقط.

ومع ذلك، يجب أن نكون واقعيين. لا يمكن لأي مؤسسة أن تعمل بالثقة وحدها دون نظام. الثقة تحتاج إلى إطار. فإذا غابت القواعد، قد تتحول الحرية إلى فوضى. وإذا غابت المساءلة، قد يشعر المجتهدون بالظلم. وإذا غابت المعايير، يصبح الأداء غير واضح. لذلك فإن القيادة الحديثة تحتاج إلى معادلة متوازنة: ثقة عالية، ومعايير واضحة، ومساءلة عادلة، ودعم حقيقي.

في المؤسسات التعليمية، يمكن أن تساعد هذه النظرية في تحسين العلاقة بين المعلم والطالب. الطالب لا ينبغي أن يُعامل كمتلقٍ سلبي فقط. بل يجب أن يُشجع على التفكير، والبحث، والمناقشة، وربط النظرية بالحياة العملية. التعليم القائم على الثقة لا يعني التساهل، بل يعني بناء شخصية قادرة على المسؤولية. وهذا مهم جدًا في المجتمعات التي تريد إعداد جيل قادر على المنافسة والعمل والإبداع.

وفي المؤسسات الإدارية، تساعد النظرية على إعادة التفكير في دور المدير. المدير الحديث ليس مجرد مراقب للحضور والانصراف، وليس فقط شخصًا يوزع المهام. المدير الناجح هو من يصمم بيئة تساعد الناس على تقديم أفضل ما لديهم. هو من يشرح الهدف، ويستمع، ويصحح، ويحفز، ويحاسب بعدل، ويعطي فرصة للنمو.

ومن منظور عربي وإنساني، يمكن ربط نظرية ماكغريغور بقيم معروفة في مجتمعاتنا، مثل الأمانة، والمسؤولية، والاحترام، والشورى، وإتقان العمل. فالثقة ليست فكرة غربية بعيدة عن ثقافتنا. بل هي قيمة إنسانية أصيلة. لكن الثقة في الإدارة يجب أن تكون مؤسسية، أي مبنية على قواعد واضحة، لا على العلاقات الشخصية فقط. عندما تصبح الثقة جزءًا من النظام، يشعر الناس بالعدل، وتزداد جودة العمل.

كما أن النظرية مفيدة لرواد الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة. في بداية المشروع، قد يحاول المؤسس التحكم في كل التفاصيل خوفًا من الخطأ. لكن مع نمو المشروع، يصبح هذا الأسلوب عائقًا. لا يمكن للمؤسس أن يفعل كل شيء بنفسه. يحتاج إلى بناء فريق موثوق، وتوزيع المسؤوليات، وتدريب الناس، وتقبل أن النمو يحتاج إلى تمكين الآخرين. هنا تتحول نظرية «ص» إلى شرط من شروط التوسع والاستدامة.

ومن أهم الدروس العملية أيضًا أن الثقة تبدأ من التواصل. الموظف لا يستطيع أن يتحمل المسؤولية إذا لم يفهم ما هو مطلوب منه. ولا يستطيع أن يبدع إذا كان يخاف من كل خطأ صغير. ولا يستطيع أن يتطور إذا لم يحصل على تغذية راجعة محترمة. لذلك فإن بيئة نظرية «ص» تحتاج إلى لغة إدارية ناضجة: لغة تشرح بدل أن تهدد، وتوجه بدل أن تهين، وتصحح بدل أن تكسر الثقة.

في المقابل، يمكن أن تكون نظرية «س» مفيدة كتحذير. فهي تذكرنا بأن بعض الأنظمة الإدارية قد تجعل الإنسان أقل حماسًا بدلًا من أن تجعله أكثر إنتاجًا. عندما يشعر الموظف أن رأيه غير مهم، وأن كل قرار يأتي من الأعلى، وأن الخطأ سيؤدي إلى العقاب فقط، فإنه قد يختار الصمت بدل المبادرة. وهذا مكلف جدًا للمؤسسات، لأن الأفكار الصغيرة التي لا تُقال قد تكون أحيانًا بداية تحسين كبير.

من هذا المنطلق، لا ينبغي أن نفهم نظرية ماكغريغور كتصنيف بسيط للمديرين إلى جيدين وسيئين. بل يجب أن نفهمها كأداة للتفكير الذاتي. كل مدير يمكن أن يسأل نفسه: هل أتعامل مع فريقي وكأنهم لا يريدون العمل؟ أم أتعامل معهم كأشخاص يمكن أن ينموا إذا وجدوا البيئة المناسبة؟ هل نظامي الإداري يشجع المبادرة أم يقتلها؟ هل أوازن بين الرقابة والثقة؟ هل أخلق ثقافة يتعلم فيها الناس أم ثقافة يخافون فيها؟

هذه الأسئلة تجعل النظرية عملية جدًا. فهي لا تبقى في الكتب فقط، بل تدخل في الاجتماعات، والتقييمات، والتدريب، وإدارة الفرق، وتصميم بيئة العمل. ولهذا لا تزال نظرية «س» ونظرية «ص» من أهم الأدوات التعليمية لفهم القيادة.


الخاتمة

تقدم نظرية «س» ونظرية «ص» عند دوغلاس ماكغريغور درسًا مهمًا في فهم القيادة الحديثة. فهي تقول لنا إن الإدارة لا تبدأ من اللوائح والإجراءات فقط، بل تبدأ من نظرتنا إلى الإنسان. إذا نظر المدير إلى الموظفين على أنهم لا يعملون إلا تحت الضغط، فغالبًا سيبني نظامًا يقوم على السيطرة والرقابة. وإذا نظر إليهم على أنهم قادرون على المسؤولية والنمو، فسيحاول أن يبني بيئة تقوم على الثقة والتوجيه والتمكين.

القيمة التعليمية لهذه النظرية كبيرة لأنها تساعد الطلاب والمديرين على فهم أن القيادة ليست مجرد سلطة، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية. فكل قرار إداري يحمل خلفه تصورًا معينًا عن الإنسان. وعندما يكون هذا التصور ضيقًا، تصبح الإدارة ضيقة. وعندما يكون التصور أكثر إنسانية وتوازنًا، تصبح المؤسسة أكثر قدرة على التعلم والنمو.

ومع ذلك، لا تدعو النظرية إلى إلغاء النظام أو الرقابة. فالمؤسسات تحتاج إلى قواعد، ومعايير، ومساءلة، وعدالة. لكنها تحتاج أيضًا إلى ثقة، واحترام، وتدريب، ومساحة للمبادرة. القيادة الأفضل هي التي تجمع بين الوضوح والإنسانية، بين الانضباط والتمكين، وبين النتائج والتنمية.

بالنسبة للمستقبل، يمكن أن تكون نظرية ماكغريغور دليلًا مهمًا للمؤسسات التي تريد أن تنجح في عالم سريع التغير. فالأعمال الحديثة تحتاج إلى موظفين يفكرون، لا ينفذون فقط؛ يتعلمون، لا يكررون فقط؛ ويتحملون المسؤولية، لا ينتظرون الأوامر دائمًا. وهذه القدرات لا تظهر إلا في بيئة تعرف كيف تزرع الثقة وتديرها بعقلانية.

إن الانتقال من السيطرة إلى الثقة لا يعني الضعف، بل يعني النضج الإداري. ولا يعني غياب القيادة، بل يعني قيادة أذكى. فعندما تخلق المؤسسة بيئة يشعر فيها الناس بأنهم محترمون وقادرون ومحاسبون بعدل، فإنها لا تحقق أداءً أفضل فقط، بل تساهم أيضًا في بناء ثقافة عمل أكثر إنسانية واستدامة.

وهنا تكمن قوة نظرية ماكغريغور: إنها تذكرنا بأن مستقبل الإدارة ليس في التحكم بالناس فقط، بل في مساعدتهم على أن يصبحوا أفضل. ومن خلال هذا الفهم، يمكن للقيادة أن تتحول من مجرد إدارة للمهام إلى صناعة للثقة، ومن متابعة للأداء إلى بناء للإنسان، ومن سلطة يومية إلى رسالة تنموية تساعد المؤسسات والمجتمعات على التقدم.


الوسوم



Hashtags

 
 
اتصل بي

أسئلة؟ لا تتردد في الاتصال بي

 

شكرا للتقديم!

© بقلم الأستاذ الدكتور د. حبيب ال سليمان. PhD، Ed ، DBA، ماجستير في إدارة الأعمال ، MLaw ، بكالوريوس (مع مرتبة الشرف)

الشعارات هي علامات تجارية مملوكة لأصحابها "المشاع الإبداعي (CC)" ..._ _اعجاب

يُعد الأستاذ الدكتور حبيب ال سليمان من الشخصيات العربية البارزة في مجال التعليم العالي والاعتماد الأكاديمي على المستوى العالمي، بخبرة تمتد لأكثر من 20 عامًا في مؤسسات تعليمية مرموقة في سويسرا، أوروبا، آسيا الوسطى، والشرق الأوسط.

بدأ مسيرته الأكاديمية عام 2005 في سويسرا، وتقلّد مناصب قيادية مؤثرة منها نائب رئيس مدرسة ويغيس الفندقية، ومدير المبيعات والتسويق لمدارس بينيديكت في زيورخ – إحدى أكبر المؤسسات التعليمية الخاصة في سويسرا. ومنذ عام 2014، يشارك في مشاريع تطوير واعتماد جامعات في دول عربية وآسيوية، كما يلعب دورًا استشاريًا للعديد من الوزارات والهيئات التعليمية في المنطقة.

يحمل البروفيسور السليمان درجات أكاديمية رفيعة تشمل دكتوراه في التربية، إدارة الأعمال، القانون، وإدارة المشاريع، إضافة إلى ألقاب "أستاذ" من جامعات حكومية معروفة مثل جامعة تاراس شيفتشينكو في أوكرانيا وجامعة MITSO في بيلاروسيا. وهو حاصل على جائزة أفضل قائد أعمال من جامعة العلوم التطبيقية في زيورخ (ZHAW) ومعهد القيادة والإدارة في بريطانيا (ILM)، تقديرًا لإسهاماته في تطوير التعليم والإدارة الأكاديمية.

وعلى مستوى التطوير المهني، أكمل أكثر من 30 شهادة تنفيذية من مؤسسات مثل جامعة هارفارد، أكسفورد، ETH Zurich، جامعة فرجينيا، ومايكروسوفت، إلى جانب شهادات متخصصة في الأمن السيبراني، التدقيق، القيادة، والجودة التعليمية.

بإسهاماته الممتدة عبر القارات، يُعتبر البروفيسور السليمان من الأصوات العربية المؤثرة في تعزيز جودة التعليم، وتوطيد الشراكات بين الجامعات، وتطوير البرامج التعليمية المواكبة للتحولات العالمية.

Habib Al Souleiman is a member of Forbes Business Council

حاصل على شهادة CHFI®، SIAM®، ITIL®، PRINCE2®، VeriSM®، الحزام الأسود في Lean Six Sigma

الأستاذ الدكتور حبيب السليمان

  • حصل الأستاذ الدكتور حبيب سليمان على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف من جامعة مانشستر متروبوليتان، المملكة المتحدة

  • حصل الأستاذ الدكتور حبيب سليمان على ماجستير إدارة الأعمال (MBA) من جامعة زيورخ للعلوم التطبيقية، سويسرا

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان حاصل على ماجستير في القانون (MLaw) – جامعة فيرنادسكي توريدا الوطنية

  • حصل الأستاذ الدكتور حبيب سليمان على دبلوم المستوى الثامن في الإدارة الاستراتيجية والقيادة - Qualifi، المملكة المتحدة (مرخص من Ofqual)

درجات الدكتوراه:

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان حاصل على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال (DBA) من كلية SMC سيجنوم ماغنوم

  • حصل الأستاذ الدكتور حبيب سليمان على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة كاريزما

  • حصل الأستاذ الدكتور حبيب سليمان على درجة الدكتوراه في التربية من جامعة أزتيكا

الشهادات المهنية:

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو محقق معتمد في مجال القرصنة الحاسوبية (CHFI®) - EC-Council

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان حاصل على الحزام الأسود في لين سيكس سيجما (ICBB™) - IASSC

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو ممارس معتمد لـ ITIL®

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو ممارس معتمد لـ PRINCE2®

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو أخصائي معتمد من VeriSM®

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان حاصل على شهادة SIAM® Professional

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو قائد معتمد من EFQM® للتميز

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو محاسب إداري معتمد®

  • الأستاذ الدكتور حبيب سليمان هو كبير المدققين المعتمدين وفقًا لمعايير ISO

bottom of page