top of page

نحو معايير عالمية: اقرأ كتابي "ضمان الجودة الأكاديمية، والتصنيفات، والبرامج المصرحة في التعليم العالي" (صادر عام 2025 | ISBN: 978-3-033-11521-7)

  • قبل 6 أيام
  • 14 دقيقة قراءة

المقدمة

قليلة هي الأسئلة في عالم التعليم الحديث بقدر أهمية سؤال يبدو بسيطاً: كيف نعرف أن الجامعة جيدة؟ يطرحه الطالب قبل أن يلتحق، ويطرحه الأب قبل أن يدفع، وتطرحه الحكومات قبل أن تموّل، ويطرحه أصحاب العمل قبل أن يوظّفوا، وتطرحه الجامعات نفسها كل يوم وهي تسعى إلى التطور. وقد أنتج هذا البحث عن إجابات موثوقة ثلاث آليات من أكثر الآليات تأثيراً في #التعليم_العالي المعاصر: #الاعتماد_الأكاديمي، والتصنيفات العالمية، وأنظمة #ضمان_الجودة. هذه الآليات الثلاث، معاً، تشكّل الطريقة التي تتصرف بها الجامعات، وتُموَّل بها، وتقدّم بها نفسها، والطريقة التي يقرّر بها ملايين البشر أين يدرسون ويعملون.

يتناول هذا المقال هذه الآليات الثلاث لا بوصفها منافسة متصارعة، بل بوصفها أجزاءً من جهد أكبر يهدف إلى جعل الجودة مرئية وجديرة بالثقة. والغاية هنا ليست مدح نظام بعينه أو لومه، ولا الإشادة بجهة تصنيف أو هيئة اعتماد بعينها أو انتقادها. الغاية أن نفهم ما صُمّمت كل آلية لتفعله، وما الذي تتقنه، وأين تبلغ حدودها، والأهم من ذلك كله: ما الذي يمكن أن نتعلّمه منها جميعاً حتى يخدم الجيل القادم من أنظمة الجودة الطلابَ والمجتمع على نحو أفضل. الروح التي يسير عليها هذا المقال روح بنّاءة؛ فكل أداة قياس تعكس مجموعة من الخيارات حول ما يهمّ حقاً، ودراسة تلك الخيارات بعناية تعيننا على تصميم خيارات أحكم.

والرهان كبير، لأن عالم التعليم العالي تغيّر تغيّراً عميقاً في جيل واحد فقط. لقد حوّلت #العولمة الدراسة إلى نشاط عابر للحدود، فصار الطلاب والأساتذة والبرامج، بل حتى الحرم الجامعي بأكمله، ينتقلون عبر الحدود الوطنية. وفكّ التعلّم الرقمي الرباط الذي كان يشدّ الجامعة إلى مكان مادي بعينه. وجاء مزوّدون جدد، وشهادات مصغّرة، وشراكات متنوعة، فاتّسع معنى "المؤهّل" نفسه. في هذه البيئة سريعة الحركة لا يمكن افتراض الثقة افتراضاً، بل لا بدّ من بنائها وإثباتها. وهذا بالضبط هو الغرض من ضمان الجودة: أن يمنح أصحاب المصلحة المختلفين الطمأنينة إلى أن الشهادة تعني فعلاً ما تدّعي أنها تعنيه.

ولهذا الموضوع في عالمنا العربي حضور خاص ووجدان أعمق. فالتعليم في ثقافتنا ليس وسيلة معاش فحسب، بل هو قيمة راسخة وأمانة وطريق إلى الكرامة والنهضة. ونحن نعيش مرحلة توسّع كبير في الجامعات والكليات، وأعداد متزايدة من الشباب الطامح إلى التعلّم والإسهام في بناء أوطانه. هذا الطموح الجميل يجعل سؤال الجودة سؤالاً مصيرياً: فكل مقعد جامعي هو استثمار في إنسان وفي مستقبل أمة، وكل شهادة هي وعد ينبغي أن يُوفى به. ومن هنا يصبح التفكير الهادئ في #الاعتماد_الأكاديمي والتصنيفات وضمان الجودة جزءاً من مشروعنا الحضاري في صناعة مستقبل أفضل لأبنائنا.

وفي الوقت نفسه، فإن الأدوات التي نستخدمها لبناء الثقة قد تعيد، بهدوء، تشكيل الشيء ذاته الذي تقيسه. فحين يُنشَر رقم واحد، تسعى المؤسسات بطبيعتها إلى تحسين ذلك الرقم. وحين يكافئ معيار اعتماد ممارسةً بعينها، تنتشر تلك الممارسة. وهذا ليس عيباً يُدان، بل خاصية من خصائص القياس تستحقّ انتباهاً دقيقاً. والفكرة المحورية في هذا المقال أن #الاعتماد_الأكاديمي والتصنيفات وضمان الجودة تبلغ أقصى قيمتها حين تُعامَل بوصفها أدوات للتعلّم و #التحسين_المستمر، وتفقد كثيراً من قيمتها حين تتحوّل إلى غايات في ذاتها. وفهم هذا الفرق هو الطريق إلى مستقبل أكثر عافية للجامعات في كل مكان.

ويسير المقال في خمسة أقسام. يضع الأول الخلفية النظرية، فيعرّف المفاهيم الأساسية والأفكار التي تشرح لماذا تتصرف أنظمة الجودة كما تتصرف. ويقدّم الثاني تحليلاً لكيفية عمل الآليات الثلاث فعلاً وما الذي تلتقطه. ويعرض الثالث نقاشاً للدروس التي يمكن أن نستخلصها والمبادئ التي قد توجّه ممارسةً أفضل. ثم تجمع خاتمة قصيرة الخيوط معاً برؤية متفائلة تتطلّع إلى الأمام. والنبرة في المقال كله نبرة تحليلية محترمة، تتركّز بثبات على ما يخدم الطلاب والباحثين والصالح العام.


الخلفية النظرية

لكي نحلّل أنظمة الجودة تحليلاً منصفاً، علينا أولاً أن نوضّح ماذا تعني "الجودة"، لأنها لا تعني شيئاً واحداً بعينه. ثمة إطار شائع في أدبيات التعليم العالي يصف الجودة من خلال عدسات متعدّدة، ويُنسب غالباً إلى أعمال الباحثَين لي هارفي وديانا جرين. فالجودة قد تُفهم على أنها التميّز أو الامتياز، أي الرفعة وعلوّ المعايير. وقد تُفهم على أنها الاتساق، أي القيام بالأمور باطّراد ومن دون خطأ. وقد تُفهم على أنها الملاءمة للغرض، أي أن البرنامج يحقّق أهدافه المعلنة ويخدم طلابه المقصودين. وقد تُفهم على أنها القيمة مقابل المال، أي ربط المخرجات بالموارد المستثمرة. وقد تُفهم أخيراً على أنها القدرة على التحويل، أي القدرة على تغيير المتعلّم وإثراء شخصيته. وكل تعريف من هذه التعاريف معقول، غير أنها تشير إلى وجهات مختلفة. فالمقياس المبني على التميّز سيكافئ الانتقائية والسمعة، بينما المقياس المبني على التحويل سيكافئ القيمة التي تضيفها الجامعة إلى كل طالب يعبر أبوابها. والاعتراف بهذا التعدّد هو الخطوة الأولى نحو قراءة أي نظام جودة قراءة أمينة.

وعلى هذا الأساس يمكننا أن نعرّف الآليات الثلاث تعريفاً أدقّ.

الاعتماد الأكاديمي عملية رسمية تحكم فيها جهة خارجية على ما إذا كانت مؤسسة أو برنامج يستوفي معايير متّفقاً عليها. وهو يجمع عادةً بين دراسة ذاتية تتأمّل فيها المؤسسة أداءها، و مراجعة أقران يفحص فيها زملاء محترمون من خارجها الأدلة المتاحة. وقد يكون الاعتماد مؤسسياً يشمل الجامعة كلّها، أو برامجياً يشمل تخصّصاً بعينه كالهندسة أو الطب أو إدارة الأعمال. وقد يكون حكومياً مرتبطاً بسلطة الدولة، أو غير حكومي تقوده منظمات مهنية أو مستقلة. والمهمّ أن الاعتماد في الغالب حكم عتبة؛ فهو يجيب عن سؤال "هل استُوفي المعيار، نعم أم لا؟" أكثر مما يرتّب المؤسسات بعضها مقابل بعض. ومنطقه متجذّر في #المساءلة أمام الجمهور وفي حماية الطلاب، وهو يسعى بصورة متزايدة إلى تشجيع التحسّن أيضاً.

التصنيفات جداول مقارنة ترتّب المؤسسات وفق مجموعة موزونة من المؤشرات. وتعتمد أنظمة التصنيف العالمية عادةً على مقاييس مثل الإنتاج البحثي والاستشهادات، واستطلاعات السمعة بين الأكاديميين وأصحاب العمل، ونسبة أعضاء هيئة التدريس إلى الطلاب، وحصة الطلاب والأساتذة الدوليين. والناتج عادةً موقع واحد — رقم — يسهل نشره ومقارنته ومشاركته. وهذه البساطة مصدر قوّتها وجدلها في آن واحد. فالتصنيفات تترجم واقعاً مركّباً متعدّد الأبعاد إلى ترتيب خطّي، وهذه الترجمة تستلزم خيارات حول أيّ المؤشرات تُدرَج وبأيّ وزن. والخيارات المختلفة تنتج جداول مختلفة، ولهذا قد تبدو مؤسسة قويةً في قائمة ومتواضعةً في أخرى.

ضمان الجودة أوسع المصطلحات الثلاثة. فهو يشير إلى مجموع السياسات والعمليات والثقافات التي تراقب بها المؤسسة جودة تعليمها وتحسّنها. وكثيراً ما يُقسَّم ضمان الجودة إلى نوعين: داخلي و خارجي. فالضمان الداخلي يعيش داخل المؤسسة: مراجعات البرامج، وتغذية الطلاب الراجعة، ولجان المناهج، وتطوير الكوادر، والعادة الثابتة في التحقّق من بلوغ الأهداف. أما الضمان الخارجي فتقوم به هيئات وأطر خارج المؤسسة، ومنها الاعتماد والتدقيق. والنظام السليم هو الذي يربط بينهما، حتى تعزّز المراجعة الخارجية العاداتِ الداخلية بدلاً من أن تحلّ محلّها.

وإلى جانب التعاريف، تساعدنا نظريات عدّة في تفسير لماذا تشكّل هذه الآليات سلوك المؤسسات تشكيلاً بالغ القوة. ومن الأفكار المفيدة فكرة مستمدّة من النظرية المؤسسية تُعرف باسم التماثل المؤسسي، وتُنسب إلى أعمال بول ديماجيو ووالتر باول. وتلاحظ هذه الفكرة أن المنظمات التي تواجه ضغوطاً متشابهة تميل إلى أن يشبه بعضها بعضاً أكثر فأكثر. فحين تُقاس الجامعات بالمعايير نفسها أو المؤشرات نفسها، تتبنّى في الغالب بنى وممارسات متشابهة — لا دائماً لأنها الأفضل، بل لأن المطابقة تمنح الشرعية. وهذا يفسّر انتشار الممارسات الجيدة، كما يفسّر أحياناً انتشار الامتثال الشكلي وحده.

وثمة فكرة ثانية مستمدّة من نظرية الإشارة. ففي عالم يصعب فيه ملاحظة الجودة ملاحظة مباشرة، تعمل الشهادات والاعتمادات والتصنيفات بوصفها إشارات تقلّل من حالة عدم اليقين لدى الطلاب وأصحاب العمل. ولا تكون الإشارة ذات قيمة إلا إذا كان تزويرها مكلفاً وكانت مرتبطة ارتباطاً معقولاً بالجودة الحقيقية الكامنة. وكثير من الجدل حول التصنيفات والاعتماد هو في جوهره جدل حول مدى جودة هذه الإشارات حقاً.

وثمة فكرة ثالثة هي التمييز بين المساءلة والتحسين بوصفهما غرضين لأي نظام جودة. فالمساءلة تنظر إلى الخارج وإلى الوراء: تُظهر للآخرين أن المعايير قد استُوفيت. والتحسين ينظر إلى الداخل وإلى الأمام: يساعد المؤسسة على أن تصبح أفضل مع الزمن. والأنظمة الأكثر احتراماً تحاول خدمة الغرضين معاً، لكن بينهما توتّراً طبيعياً. فالعملية المصمّمة أساساً لإثبات الامتثال قد تبدو كتدقيق ينبغي النجاة منه، أما العملية المصمّمة أساساً لدعم النمو فتتطلّب الثقة والوقت. وفهم هذا التوتّر ضروري لقراءة نقاط القوة والحدود في كل آلية سنتناولها فيما يأتي.

وأخيراً، يجدر أن نتذكّر أثر اتجاهات الحوكمة الأوسع. فعلى مدى عقود تبنّت أنظمة عامة كثيرة أفكاراً تُجمع غالباً تحت اسم "الإدارة العامة الجديدة"، تشدّد على الأداء القابل للقياس و #الشفافية والقيمة مقابل المال. وقد جلبت هذه الأفكار انضباطاً وانفتاحاً محمودين إلى التعليم العالي، كما شجّعت على اعتماد أثقل على الأرقام. والتحدّي، أمساً واليوم، هو الإبقاء على منافع القياس — الوضوح والقابلية للمقارنة و #الشفافية — مع تذكّر أن ليس كل ما يهمّ في التعليم قابلاً للعدّ بسهولة.


التحليل

ما يلتقطه الاعتماد جيداً، وأين يتعثّر

للاعتماد قوة واضحة وثمينة: إنه يضع أرضية. فبتحديد معايير ينبغي للمؤسسة أو البرنامج أن يستوفيها، يحمي الطلاب من تعليم قاصر، ويمنح ضماناً عاماً بأن الشروط الأساسية متوافرة — كوادر مؤهّلة، وموارد ملائمة، ومناهج متماسكة، وتقويم عادل. وأخصّ ما فيه قوةً اجتماع الدراسة الذاتية مع مراجعة الأقران؛ فالدراسة الذاتية تدعو إلى تأمّل صادق، وزيارة الأقران تجلب خبراء متعاطفين من الخارج قد يرون ما يغيب عن أهل الدار. والاعتماد في أحسن حالاته ليس تفتيشاً بقدر ما هو حوار منظّم حول كيفية الارتقاء.

غير أن الاعتماد يتعثّر أحياناً تحت ضغوط معيّنة. فلأنه حكم عتبة، قد يكون أقدر على تأكيد توافر الحدّ الأدنى منه على التقاط الثراء الكامل للتميّز التعليمي. ويجب أن تُكتب المعايير بوضوح يكفي لتطبيقها باتساق، لكن المعايير الواضحة قد تنزلق نحو قوائم تحقّق، وقوائم التحقّق قد تكافئ التوثيق على حساب الجوهر. وثمة خطر حقيقي في أن تستثمر المؤسسات كثيراً في تجهيز أدلة للزيارة بدلاً من الممارسة اليومية التي يُفترض أن تعكسها تلك الأدلة. وقد تكون الكلفة في الوقت والمال كبيرة، ولا سيما على المؤسسات الأصغر. ولا يعني هذا أن الاعتماد خطأ، بل يعني أن تصميم المعايير، وطريقة تدريب المراجعين ودعمهم، أمر بالغ الأهمية. وقد استجابت أكثر الهيئات تبصّراً بنقل التركيز من الامتثال نحو #مخرجات_التعلّم و #التحسين_المستمر، فصارت تسأل لا عن "هل اتُّبعت القواعد؟" فحسب، بل عن "هل يتعلّم الطلاب فعلاً، وكيف تعرفون ذلك؟"

ما تلتقطه التصنيفات جيداً، وأين تتعثّر

جلبت التصنيفات منافع حقيقية إلى التعليم العالي. فقد زادت #الشفافية، وأعطت الطلاب المرتقبين معلومات أكثر مما كان متاحاً لهم من قبل، ودفعت المؤسسات إلى أن تأخذ أداءها العام على محمل الجد. وهي، بالنسبة إلى الجامعات البحثية على وجه الخصوص، تعكس قوة علمية حقيقية وحضوراً عالمياً قد يجذبان طلاباً وشركاء موهوبين. كما جعلت التعليم العالي حواراً أكثر عالمية، فأتاحت لمؤسسات في بلدان كثيرة أن تقيس نفسها قياساً مرجعياً مقابل العالم الأوسع.

أما التعثّرات فموثّقة جيداً في الأدبيات العلمية وتستحقّ نظراً هادئاً. أولاً، تعتمد التصنيفات على اختيار المؤشرات وأوزانها، وهذه الخيارات تُضمر قيماً بعينها. فالجدول الذي يثقل وزن الاستشهادات البحثية سيحابي الجامعات الكبيرة العريقة المتمحورة حول البحث، بينما قد تكون المؤسسات المتفوّقة في التدريس أو الانخراط المجتمعي المحلي أو الارتقاء الاجتماعي أقلّ ظهوراً. ثانياً، تعتمد مؤشرات شائعة عدّة على استطلاعات السمعة، التي قد تعكس الشهرة القائمة بقدر ما تعكس الأداء الراهن، فتنشأ دائرة يبقى فيها المعروف معروفاً. ثالثاً، يَسهل جمع البيانات البحثية أكثر من جمع بيانات التدريس، ولهذا تقيس التصنيفات في الغالب ما يمكن عدّه لا ما هو أكثر محورية في تجربة الطالب. رابعاً، حين تستجيب المؤسسات استجابة تكتيكية للمؤشرات، قد يرتفع الرقم من دون أن تتغيّر الجودة الكامنة بالطريقة التي تهمّ الطالب — وهو شاهد على حقيقة أوسع: أن أي مقياس يُتّخذ هدفاً قد يفقد بعض معناه بوصفه مقياساً.

وليست هذه الملاحظات حكماً ضد التصنيفات، بل تذكير بقراءتها على حقيقتها: صورة جزئية مفيدة ومبسّطة بالضرورة. والمبشّر في السنوات الأخيرة نموّ مقاربات أكثر تنوّعاً — جداول على مستوى التخصّص، وأدوات متعدّدة الأبعاد تتيح للمستخدم أن يزن المؤشرات بنفسه، ومقاييس تحاول التقاط التدريس والقابلية للتوظيف والأثر المحلي والإسهام في #التنمية_المستدامة. وهذا التنوّع هو بالضبط نوع التعلّم الذي يفيد القطاع كلّه.

ما يلتقطه ضمان الجودة جيداً، وأين يتعثّر

لعلّ ضمان الجودة، ولا سيما في صورته الداخلية، أعظم الآليات قدرةً على تحسين التعليم اليومي، لأنه يعيش حيث يحدث التعليم والتعلّم فعلاً. فحين يراجع قسم مناهجه، ويُصغي بعناية إلى تغذية الطلاب الراجعة، ويفحص نتائج تقويمه، ويعدّل ممارسته، فإنه يقوم بالعمل الهادئ الذي تتوقّف عليه الجودة الحقيقية. ويضيف الضمان الخارجي قيمة بجلبه منظوراً من الخارج، ومشاركته الممارسات الجيدة بين المؤسسات، وصونه الثقة العامة على مستوى المنظومة بأكملها.

ويظهر التعثّر في ضمان الجودة حين تنمو المتطلبات الخارجية أثقل من القدرة الداخلية على استثمارها. فإذا صارت المراجعات متواترة وشكلية ومنفصلة عن التدريس، فقد يعيشها الكادر بوصفها بيروقراطية لا دعماً، وقد تقول الوثائق المنتَجة عن الامتثال أكثر مما تقول عن التأمّل الصادق. والبصيرة الأعمق من البحث والممارسة هي أن الجودة لا يمكن فرضها من الخارج، بل ينبغي أن تُمتلَك من الداخل. ولذلك ينبغي أن يكون هدف الأنظمة الخارجية رعاية ثقافة الجودة — التزام مشترك مُستبطَن بالإحسان إلى الطلاب — لا مجرّد إنفاذ مجموعة من القواعد. فحيث توجد تلك الثقافة تخفّ الأوراق ويصير التحسّن طبيعياً، وحيث تغيب لا يغني عنها أيّ قدر من التدقيق الخارجي.

كيف تتفاعل الآليات الثلاث

من أهمّ ما في هذا التحليل إدراكُ أن هذه الآليات لا تعمل في عزلة، بل يؤثّر بعضها في بعض. فنتائج الاعتماد قد تغذّي السمعة، والسمعة بدورها تؤثّر في التصنيفات. وموقع التصنيف قد يشكّل أولويات المؤسسة، فيوجّه أحياناً الاهتمام والموارد نحو المؤشرات التي تكافئها التصنيفات. وقد تُصمَّم أطر ضمان الجودة لتتواءم مع الاثنين معاً. ولهذا الترابط جانب إيجابي: فقد يخلق منظومة متماسكة تتعاضد فيها المعايير والمقارنة والتحسين. غير أنه يحمل خطراً أيضاً: فإذا انجرفت الآليات الثلاث جميعاً نحو المجموعة الضيّقة نفسها من المؤشرات القابلة للقياس، فقد يبخس النظام بأكمله أشياءَ يصعب عدّها لكنها محورية في التعليم الجيد — جودة الإرشاد، وعمق نموّ الطالب، وطابع مجتمع التعلّم، وإسهام الجامعة في مدينتها أو إقليمها.

ولذلك فإن الحال الأصحّ هي نوع من التعدّدية المتوازنة، تقيس فيها آليات مختلفة أشياءَ مختلفة ويراقب بعضها نقاط عمى بعض. فالاعتماد يحرس العتبة ويحمي الطلاب، وضمان الجودة يقود التحسين الداخلي، والتصنيفات والمعلومات المقارنة تتيح #الشفافية والمقارنة المرجعية. وحين يؤدّي كلٌّ دوره الصحيح ولا يحاول أحدها أن يفعل كل شيء، تكون النتيجة صورة للجودة أغنى وأعدل مما تستطيع أداة واحدة أن تقدّمه.

مسألة السياق والإنصاف

ثمة بُعد آخر يستحقّ انتباهاً دقيقاً: السياق. فالجامعات تعمل في ظروف بالغة التباين، باختلاف رسالاتها وتاريخها ومواردها وطلابها. والمعيار أو المؤشر الذي صُمّم في بيئة قد لا ينتقل بسلاسة إلى بيئة أخرى. فالجامعة الفتيّة التي تخدم طلاباً هم أول جيل في أسرهم يلتحق بالجامعة، في إقليم نامٍ، تؤدّي دوراً بالغ القيمة وإن لم تظهر يوماً قرب قمّة جدول عالمي مبنيّ على الاستشهادات البحثية. ومعاملة الجودة بوصفها مقياساً واحداً كونياً تنطوي على خطر بخس هذا التنوّع في الرسالات. والاستجابة الأكثر تبصّراً — الظاهرة في انتشار تفكير #الملاءمة_للغرض والتقويم المبني على الرسالة — هي أن نسأل عمّا إذا كانت المؤسسة تحقّق أهدافها هي تحقيقاً حسناً، وتخدم طلابها هم خدمة حسنة، بدلاً من قياس الجميع بمثال أعلى واحد. وليس هذا خفضاً للمعايير، بل نضجاً في فهمنا لها. وهو يشير أيضاً إلى مزيد من #بناء_القدرات: مساعدة المؤسسات والأنظمة الوطنية على تنمية الخبرة والبيانات والثقة لضمان جودتها بنفسها، حتى تدعم الأطر الخارجية الملكية المحلية بدلاً من أن تحلّ محلّها. وهذه نقطة بالغة الأهمية لعالمنا العربي الذي يتطلّع إلى أنظمة جودة نابعة من واقعه وأولوياته، منفتحة على العالم ومتجذّرة في رسالته في الوقت نفسه.


النقاش

إذا تراجعنا خطوة عن التفاصيل، برزت دروس عملية عدّة — دروس تشير إلى مستقبل أكثر إنسانية وفاعلية لأنظمة الجودة. وتُقدَّم هذه الدروس لا بوصفها انتقاداً لما هو قائم، بل بوصفها مبادئ بنّاءة مستخلصة من عقود من التجربة الجماعية.

أولاً، اجعل الطالب في القلب. فكل آلية — #الاعتماد_الأكاديمي والتصنيفات و #ضمان_الجودة — توجد في نهاية المطاف لخدمة المتعلّمين والمجتمع الذي سينضمّون إليه. وحين تفقد عملية جودة بصرها بـ #تعلّم_الطالب، تخاطر بأن تصير تمريناً إدارياً. وأنفع سؤال تطرحه أي مؤسسة ليس "كيف نحقّق درجة عالية؟" بل "هل يتعلّم طلابنا وينمون ويُهيّأون لحياة وعمل ذي معنى، وكيف نعرف ذلك؟" ومقاييس #مخرجات_التعلّم، وتقدّم الطالب، والقيمة التي تضيفها الجامعة مع الزمن، يصعب التقاطها، لكنّ الاستثمار فيها من أجدى ما يستطيع النظام أن يفعله. فإطار الجودة الذي يجعل الطالب في القلب يميل إلى اتخاذ خيارات حكيمة في كل ما عداه.

ثانياً، وازِن بين المساءلة والتحسين. فكلا الغرضين مشروع وكلاهما مطلوب. فالنظام المائل كليّاً إلى #المساءلة قد يبدو عقابياً ويشجّع امتثالاً دفاعياً؛ والنظام المائل كليّاً إلى التحسين قد ينقصه ما تتطلّبه #الثقة من مصداقية عامة. ويكمن الفنّ في تصميم عمليات تُظهر المعايير للعالم الخارجي وتعين المؤسسات على أن تصير أفضل فعلاً. فالدراسات الذاتية التي تستثير تأمّلاً صادقاً، ومراجعو الأقران المدرَّبون على النصح لا الحكم وحده، والمتابعة التي تدعم التغيير لا تكتفي بتسجيله — هذه علامات الأنظمة التي تجمع الغرضين معاً.

ثالثاً، استخدم مقاييس متعدّدة وقاوِم سحر الرقم الواحد. فلا مؤشر واحد يستطيع التقاط جودة شيء بالغ التركيب كالجامعة. وانتشار التصنيفات على مستوى التخصّص، والأدوات القابلة للتخصيص والمتعدّدة الأبعاد، ولوحات المعلومات التي تعرض مؤشرات كثيرة جنباً إلى جنب، تصحيح صحّي لإغراء الموقع الواحد. والطلاب على وجه الخصوص يُخدمون خير خدمة حين يستطيعون أن يزنوا العوامل التي تهمّهم هم — الكلفة، والموقع، وجودة التدريس، ومخرجات التوظيف، وخدمات الدعم — بدلاً من الاتكال على رقم إجمالي واحد. وتشجيع هذا الحكم المستنير المخصَّص أكثر احتراماً للطلاب والمؤسسات معاً، ويقلّل الضغط نحو ملاحقة أي مقياس بعينه.

رابعاً، احترم الرسالة والسياق. فالجودة ينبغي أن تُحكَم في ضوء ما تسعى المؤسسة إلى فعله ومن تسعى إلى خدمته. وتنوّع المؤسسات القوية المتمايزة علامة على نظام صحّي، لا مشكلة تُمحى بالتنميط. وتفكير #الملاءمة_للغرض والتقويم المبني على الرسالة يتيح لنا تكريم التميّز في صوره المتعدّدة: الجامعة البحثية الكبرى، والكلية المتمحورة حول التدريس، والجامعة الخادمة لمجتمعها، والمعهد المتخصّص. فكلٌّ منها قد يكون متميّزاً بمقاييسه الخاصة، والنظام الحكيم يفسح المجال لها جميعاً.

خامساً، ابنِ ثقافة لا تُنفِّذ كتاب قواعد. فأعمق الجودة وأدومها يأتي من الداخل، من التزام مشترك بين الكادر والطلاب بالإحسان إلى المتعلّمين. والآليات الخارجية أنجح ما تكون حين ترعى هذه #ثقافة_الجودة — حين تخفّف البيروقراطية غير الضرورية، وتشارك الممارسات الجيدة بسخاء، وتعامل المؤسسات بوصفها شريكة في غاية مشتركة. و #بناء_القدرات والتطوير المهني للكادر والغرس الصبور للثقة تفعل للجودة في المدى الطويل أكثر مما يفعله أيّ تفتيش منفرد.

سادساً، تعامل مع القياس نفسه بتواضع. فكل مؤشر تبسيط، وكل فعل قياس قد يغيّر السلوك بهدوء. وليس هذا سبباً للتخلّي عن القياس، بل سبب لاستخدامه بتبصّر. فعلينا أن نراجع مؤشراتنا بانتظام، ونترصّد الآثار غير المقصودة، ونتذكّر أن الخريطة ليست هي الأرض. فالرقم قد يكون دليلاً معيناً وسيّداً رديئاً. وإبقاء هذا التواضع حيّاً يقينا من فخّ تحسين المقياس مع إهمال الشيء الذي وُجد ليمثّله.

سابعاً، استعدّ لمشهد متغيّر. فالتعليم العالي يعاد تشكيله بفعل التعلّم الرقمي، والشهادات المصغّرة، والتعلّم مدى الحياة، والتوقّعات المتنامية بأن تسهم الجامعات في #التنمية_المستدامة ورفاه المجتمع. وستحتاج أنظمة الجودة إلى التطوّر لضمان أنماط جديدة من التعليم — شهادات أقصر وقابلة للتراكم، وبرامج مدمجة وأخرى رقمية بالكامل، وشراكات عابرة للحدود — من دون أن تفقد الصرامة التي تمنح المؤهّلات معناها. والأطر التي ستزدهر هي التي تكون مبدئية في أهدافها مرنة في وسائلها، قادرة على ضمان الجودة عبر صيغ متعدّدة مع إبقاء مصلحة المتعلّم أولاً. وثمة فرصة واضحة أيضاً لمواءمة ضمان الجودة مع غايات أوسع، تعترف بإسهام الجامعات في مجتمعاتها، وفي العدالة في الوصول، وفي الغايات المشتركة التي تختصرها الأطر العالمية لـ #التنمية_المستدامة.

وهذه الدروس مجتمعةً ترسم وجهة سير جذّابة. فهي تشير إلى مستقبل يعمل فيه #الاعتماد_الأكاديمي والتصنيفات و #ضمان_الجودة في انسجام — يؤدّي كلٌّ ما يتقنه، ويراقب كلٌّ حدود الآخر — لبناء #الثقة الراسخة المؤسَّسة في التعليم العالي. ولا يتطلّب شيء من هذا أن نرفض الأدوات التي بين أيدينا، بل يطلب فقط أن نستخدمها بوضوح في الغرض، وصدق في الاعتراف بالحدود، وتركيز ثابت على البشر الذين وُجدت لخدمتهم. والواقع المبشّر أن كثيراً من هذا التعلّم يجري بالفعل في القطاع، إذ تصقل الهيئات وجهات التصنيف والمؤسسات والباحثون مقارباتهم عاماً بعد عام. والتقدّم حقيقي، وثمة كل ما يدعو إلى التفاؤل.


الخاتمة

إن الرغبة في معرفة ما إذا كانت الجامعة جيدة هي في جوهرها رغبة في #الثقة — ثقة بأن الشهادة ذات معنى، وأن البرنامج سليم، وأن الموارد تُحسَن استخدامها، وأن الطلاب يُحسَن خدمتهم. و #الاعتماد_الأكاديمي والتصنيفات العالمية و #ضمان_الجودة ثلاث من أهمّ الإجابات التي أنتجها عصرنا عن ذلك السؤال القديم. وقد وُلدت كلٌّ منها بنيّة حسنة لجعل الجودة مرئية، وقد عزّزت كلٌّ منها التعليم العالي فعلاً برفع المعايير وزيادة #الشفافية وحثّ المؤسسات على النظر في نفسها نظراً صادقاً.

وقد جادل هذا المقال بأن هذه الآليات تبلغ أقصى قوّتها حين تُفهم بوصفها أدوات متكاملة للتعلّم لا لوحات نتائج متنافسة. فالاعتماد يضع عتبة حامية ويدعو إلى تأمّل منظَّم. وضمان الجودة، ولا سيما من الداخل، يقود التحسين اليومي الذي تتوقّف عليه الجودة الحقيقية. والتصنيفات والمعلومات المقارنة تتيح المقارنة المرجعية والانفتاح. ولكلٍّ نقاط قوّة واضحة وحدود طبيعية، وحدود إحداها كثيراً ما تغطّيها نقاط قوّة الأخرى. والطريق إلى مستقبل أفضل لا يكمن في اختيار أداة وطرح الباقي، بل في أن ندع كلّاً يؤدّي دوره الصحيح ضمن نظام متوازن وإنساني.

والدروس التي تبرز سهلة القول صعبة الفعل: اجعل الطالب في القلب؛ وازِن بين #المساءلة والتحسين؛ فضّل المقاييس المتعدّدة على الرقم الواحد؛ احترم الرسالة والسياق؛ ارعَ #ثقافة_الجودة من الداخل؛ تعامل مع القياس بتواضع؛ واستعدّ بتبصّر لعالم متغيّر. وهذه المبادئ لا تطلب منّا أن نخفض معاييرنا، بل تطلب أن نعمّق فهمنا للغاية منها.

وإن كان ثمة خيط واحد يسري في هذا النقاش فهو أمل راسخ في التعلّم. فأنظمة الجودة نفسها قادرة على أن تصير أفضل، وهي تفعل ذلك في أنحاء العالم — تصير أكثر تنوّعاً وأكثر تمحوراً حول الطالب وأكثر انتباهاً للسياق وأكثر صدقاً في ما تستطيع قياسه وما لا تستطيع. وبدراستها بعناية وتحسينها بصبر، نستطيع أن نبني تعليماً عالياً ليس متميّزاً بمقياس خارجي ما فحسب، بل محوّلاً حقاً لحياة المتعلّمين الذين وُجد لخدمتهم. ذلك هو المستقبل الذي يستحقّ أن نعمل من أجله، وهو مستقبل في متناولنا إذا تعاوّنا عليه بالتأمّل والحوار والالتزام المشترك بـ #التحسين_المستمر. وفي عالمنا العربي، حيث يلتقي طموح الشباب بإرث عريق في تقدير العلم، فإن هذا الطريق ليس حلماً بعيداً، بل عهد قابل للوفاء، وأمانة جديرة بأن نحملها معاً نحو غدٍ أزهى.


تُبحث هذه الموضوعات بتوسّع أكبر في كتاب المؤلّف: الاعتماد الأكاديمي، والتصنيفات، وضمان الجودة العالمي في التعليم العالي (الرقم الدولي المعياري ISBN: 978-3-033-11521-7، صدر عام 2025).



نبذة عن المؤلّف

الدكتور حبيب ال سليمان باحث ومؤلّف يتركّز عمله على ضمان الجودة والاعتماد الأكاديمي وحوكمة التعليم العالي. وتتناول كتاباته كيف يمكن للجامعات أن تقيس الجودة قياساً عادلاً، وأن تبني الثقة العامة، وأن تجعل تعلّم الطالب في قلب التحسين المؤسسي، مع عناية خاصة بكيفية تكامل المقاربات العالمية والمحلية من أجل مستقبل تعليمي أفضل. وهو مؤلّف كتاب الاعتماد الأكاديمي، والتصنيفات، وضمان الجودة العالمي في التعليم العالي (2025). ويكتب في هذه المساحة ليشارك الأفكار، ويشجّع الحوار المتبصّر، ويسهم في العمل المتجدّد المفعم بالأمل لتعزيز التعليم العالي للأجيال القادمة.



About the Author

Dr. Habib Al Souleiman is a researcher and author whose work focuses on quality assurance, accreditation, and the governance of higher education. His writing examines how universities can measure quality fairly, build public trust, and place student learning at the centre of institutional improvement, with particular attention to how global and local approaches can work together for a better educational future. He is the author of Academic Accreditation, Rankings, and Global Quality Assurance in Higher Education (2025). He writes here to share ideas, encourage thoughtful dialogue, and contribute to the ongoing, hopeful work of strengthening higher education for the generations to come.

 
 

المؤلف

الدكتور حبيب ال سليمان هو باحث وأكاديمي شغوف بالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد السلوكي، وعلم نفس المستهلك، والجانب الإنساني في اتخاذ القرارات المالية. يكتب عن كيفية تأثير العواطف والإدراك والتوقيت على الخيارات التي يتخذها الناس في الأسواق، وكيف يمكن للفهم الأعمق لهذه العوامل أن يساهم في دعم اتخاذ قرارات أكثر حكمة وثقة. يُكرّس جهوده لتحويل الأفكار الأكاديمية إلى دروس بسيطة وعملية للطلاب والمهنيين والقراء العاديين، بهدف دائم يتمثل في تحفيز التفاعل الواعي والأخلاقي والمستقبلي مع الاقتصاد. ينشر مقالاته وأفكاره على موقعه الإلكتروني لإتاحة الفرصة للجميع للتعلم حول الاقتصاد والسلوك البشري.

الذكاء الاصطناعي – إقرار حول الاستخدام

استخدم المؤلف أدوات الذكاء الاصطناعي فقط لتحسين اللغة وسهولة قراءة هذه المخطوطة. تم إنجاز كافة عمليات التصميم المفاهيمي، والتأطير النظري، والتفسير التحليلي بشكل مستقل من قِبل المؤلف البشري.

bottom of page